جليلة كلاعي تونس
من قلب العاصمة التونسية، حيث تتشابك عراقة التاريخ بطموحات المستقبل، لم تعد “مدينة الثقافة” مجرد فضاء للعروض الفنية والجمالية، بل تحولت في الخامس والعشرين من جوان 2026 إلى مختبر وطني حقيقي يصيغ ملامح الاقتصاد التونسي الجديد.
إن إسدال الستار على فعاليات النسخة الثانية من الملتقى الوطني للتكوين المهني لم يكن مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل مثّل إعلاناً صريحاً عن ولادة جيل جديد من الكفاءات القادرة على قيادة قاطرة التنمية، وإعادة تدوير العجلة الاقتصادية من بوابة الابتكار والمهارات الميدانية.
هذا الحدث، الذي تنظمه وزارة التشغيل والتكوين المهني التونسية بالشراكة مع منظمة “سويس كونتاكت”، جاء ليؤكد أن الرهان الحقيقي للدول لم يعد يقتصر على الثروات الطبيعية، بل ينبثق أساساً من مهارات سواعد شبابها وقدرتهم على التكيف مع التحولات البيئية والتكنولوجية المتسارعة.
يتجاوز هذا الملتقى فكرة العرض التقليدي للمهن ليصبح منصة تحليلية تقيس مدى استجابة المنظومة التكوينية لمتطلبات سوق الشغل الراهنة والمستقبلية. إن التركيز على شعار “مهارات تبني الوطن” يعكس عمق الرؤية الاستراتيجية التي تنتهجها تونس اليوم، حيث تلاشت النظرة الدونية التقليدية للتكوين المهني، ليصبح المسار الأول والاختيار الأذكى للشباب الباحث عن الريادة والتميز.
فالمعرض التفاعلي وحلقات النقاش المعمقة التي احتضنتها أروقة المدينة كشفت عن حاجة السوق الملحة لمهن ذكية وجديدة تتجاوز النمطية، وترتكز على الرقمنة، والحلول الإيكولوجية الصديقة للبيئة، وهي تخصصات باتت تشكل العمود الفقري للاقتصادات الحديثة وتجذب الاستثمارات الخارجية التي تبحث عن الفعالية والاستدامة.
ورغم أن مسارات التتويج والجوائز الرسمية تخضع دائماً لمعايير ظرفية وضوابط محددة، إلا أن القيمة الحقيقية للابتكار تقاس بحجم التحدي الذي يفرضه على الواقع، وهو تماماً ما جسده مشروع الشابين المبتكرين إيهاب المعلاوي وعلي زمالي.
فرغم عدم حصولهما على تتويج رسمي في المسابقة، إلا أن فكرة مشروعهما الرائد “Ecomist” المتخصص في أنظمة التبريد المبتكرة شكلت التحدي الأكبر والحدث الأبرز في أروقة الملتقى؛ كونه يقدم تجديداً تكنولوجياً حقيقياً تحتاجه تونس بشدة في ظل التغيرات المناخية الراهنة.
تحت شعار “التحكم في الهواء، وضمان الراحة”، يثبت هذا المشروع أن الذكاء التطبيقي التونسي قادر على كسر القوالب الجاهزة عبر دمج الفعالية القصوى بترشيد الطاقة، مما يجعله مشروعاً استراتيجياً يتجاوز مجرد فكرة عابرة ليصبح بديلًا صناعيًا وبيئيًا واعدًا ينتظر فقط التفاتة حقيقية من المستثمرين وهياكل التمويل الجريء ليرى النور على نطاق واسع.




