آخر الأخبار

تونس الفكرة والحدث: حين تصنع “منوبة” المعجزة التربوية بسبعة توائم دفعة واحدة

شارك

عبدالوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

لم يكن إعلان نتائج شهادة البكالوريا في تونس مجرد طقس سنوي معتاد لعائلات ولاية منوبة، بل تحول هذا العام إلى ظاهرة سوسيولوجية وتربوية غير مسبوقة تفيض بالإلهام؛ فالحدث لم يعد مجرد أرقام ونسب نجاح عابرة، بل تجسد في ملحمة إنسانية فريدة صاغها سبعة تلاميذ ينتمون إلى ثلاث عائلات فقط من معهد منوبة الثانوي، وزعهم القدر بين ثلاثة توائم وتوأمين اثنين، ليحصدوا جميعاً تذاكر العبور إلى الجامعة في ذات الدورة الرئيسية وبمعدلات متميزة.


هذا التزامن العجيب يتجاوز الصدفة البحتة ليدخل في باب العبقرية الجماعية التي تحققت داخل فضاء تربوي واحد، مرسخاً فكرة أن النجاح ليس جهداً فردياً معزولاً بقدر ما هو نتاج بيئة حاضنة ومنافسة عائلية إيجابية صامتة.


إن التدقيق في تفاصيل هذا الإنجاز يكشف عن أبعاد تحليلية عميقة تتعلق بسيكولوجية “التوأمة” وتأثيرها المباشر على التحصيل العلمي، حيث تبرز عائلة “فرسي” التي قدمت ثلاثة توائم (تسنيم وياسمين وأحمد) تباروا في شُعب العلوم التجريبية والتقنية بمعدلات لافتة، جنباً إلى جنب مع عائلتي “العوادي” (أمان الله وآمنة) و”بختي” (يوسف وياسين).
تعكس هذه الظاهرة شكلاً متقدماً من أشكال المحاكاة الإيجابية والدعم النفسي المتبادل؛ فالشقيقان يوسف وياسين بختي اللذان تقاسما نفس القسم ونفس الطاولة طيلة العام الدراسي وحققا معدلات باهرة تتخطى حاجز الستة عشر من عشرة، يثبتان أن القرب الجسدي والنفسي للتوائم يتحول في ظروف معينة إلى طاقة دفع هائلة ومحفز يومي لكسر رتابة المناهج وضغوط الامتحانات المصيرية.
من المنظور المؤسساتي، لا يمكن فصل هذا التميز الجماعي عن البيئة التعليمية لمعهد منوبة الثانوي، الذي ارتقى بفضل هذه النتائج إلى المرتبة الرابعة جهوياً بنسبة نجاح ناهزت الستة وأربعين بالمائة في التعليم العمومي.
إن تصريحات الإدارة التربوية حول “المنافسة الطبيعية” داخل البيوت والصفوف تسلط الضوء على مفهوم غائب في الكثير من النظم التعليمية، وهو استثمار “الروابط العاطفية” وتحويلها إلى رافعة للأداء الأكاديمي، فالعائلات التونسية المعنية لم تكن تواجه رهاناً فردياً بل كانت تدير غرف عمليات مصغرة للنجاح الجماعي، وهو ما خفف من وطأة “فوبيا البكالوريا” وحول التميز إلى عدوى حميدة تنتقل بين الأشقاء داخل البيت الواحد.

ختاماً، تفتح هذه الواقعة الفريدة في تاريخ المدرسة التونسية الباب أمام تطلعات مستقبلية واعدة لهؤلاء الشباب الذين توزعت أحلامهم بين قطاعات الصحة والهندسة وإعلامية التصرف، ليرسموا ملامح جيل جديد يرى في المعرفة بوابته الذهبية نحو المستقبل.


إن قصة توائم منوبة ليست مجرد حدث صحفي مثير يتصدر منصات التواصل ومجلات السياحة والثقافة العربية التي تبرز وجه تونس المنير، بل هي وثيقة حية على أن الاستثمار في الإنسان، وفي النواة العائلية المتماسكة، يظل الرهان الأوفر حظاً لصناعة الفارق التنموي والحضاري، لتظل “منوبة” شاهدة على أن المعجزات تولد من رحم المثابرة المشتركة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *