جليلة كلاعي تونس
في عالمٍ تتسارع فيه التحولات التقنية والاقتصادية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد الثروات الطبيعية أو الموارد المالية وحدها هي المعيار الحقيقي لنهضة الأمم، بل أصبح رأس المال البشري هو القوة الأكثر تأثيراً في رسم ملامح المستقبل. ومن هذا المنطلق، يأتي الاحتفاء باليوم العالمي لمهارات الشباب في الخامس عشر من يوليو من كل عام، ليؤكد أن تنمية المهارات لم تعد خياراً تنموياً، وإنما ضرورة استراتيجية لبناء مجتمعات قادرة على الابتكار والمنافسة وتحقيق التنمية المستدامة. فكل مهارة تُكتسب اليوم قد تتحول غداً إلى مشروع ناجح، أو ابتكار نوعي، أو فرصة عمل تفتح آفاقاً جديدة أمام الأفراد والأوطان.
إن مفهوم المهارة تجاوز منذ سنوات طويلة حدود التدريب المهني التقليدي، ليشمل منظومة متكاملة من القدرات الفكرية والرقمية والإبداعية والإنسانية. فالعالم اليوم لا يبحث فقط عن حامل الشهادة، بل عن الشخص القادر على التفكير النقدي، والعمل الجماعي، والتواصل الفعّال، والتكيف مع المتغيرات، وإيجاد حلول مبتكرة للمشكلات. ولذلك أصبحت المؤسسات التعليمية مطالبة بإعادة صياغة مناهجها، بحيث تنتقل من ثقافة الحفظ والتلقين إلى ثقافة الإبداع وصناعة الكفاءات.
ويكتسب هذا اليوم أهمية استثنائية في ظل الثورة الرقمية التي أعادت تشكيل سوق العمل العالمي. فقد ظهرت وظائف لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة، واختفت مهن كانت تُعد ركائز اقتصادية لعقود طويلة، بينما أصبحت المهارات الرقمية والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والتصميم والبرمجة وريادة الأعمال من أكثر المجالات طلباً. وهذا التحول يفرض على الشباب أن يجعلوا من التعلم المستمر أسلوب حياة، لأن المعرفة لم تعد ثابتة، بل تتجدد كل يوم، ومن يتوقف عن التعلم يتراجع سريعاً أمام إيقاع العالم المتسارع.
ولا يمكن الحديث عن مهارات الشباب دون التوقف عند قطاع السياحة، الذي يشهد بدوره تحولاً جذرياً نحو الابتكار والاستدامة والتكنولوجيا. فقد أصبحت السياحة الحديثة تعتمد على كوادر تمتلك مهارات متعددة تجمع بين المعرفة الثقافية، وإدارة التجارب السياحية، والتسويق الرقمي، واستخدام التطبيقات الذكية، وإتقان اللغات الأجنبية، إضافة إلى القدرة على التعامل مع مختلف الثقافات. ولم يعد السائح يبحث فقط عن زيارة مكان جميل، بل عن تجربة متكاملة تُدار باحترافية وتعكس جودة الخدمات والهوية المحلية.
ومن هنا، فإن الاستثمار في تدريب الشباب العاملين في القطاع السياحي يمثل استثماراً مباشراً في تنافسية الوجهات السياحية العربية. فكل مرشد سياحي يمتلك مهارات التواصل والإقناع، وكل صاحب مشروع سياحي يجيد التسويق الرقمي، وكل شاب قادر على توظيف التقنيات الحديثة في تقديم الخدمات، يساهم في تعزيز صورة بلده وجذب المزيد من الزوار والاستثمارات. وهكذا تتحول المهارات إلى قوة اقتصادية حقيقية ترفع من جودة المنتج السياحي وتدعم التنمية المحلية.
كما يسلط هذا اليوم الضوء على أهمية العدالة في الوصول إلى فرص التدريب والتأهيل، إذ لا تزال ملايين الطاقات الشابة حول العالم تواجه تحديات تتعلق بضعف فرص التعليم أو نقص البرامج التطبيقية أو محدودية الوصول إلى التكنولوجيا. ولذلك فإن بناء مستقبل أكثر ازدهاراً يتطلب شراكة حقيقية بين الحكومات والجامعات ومؤسسات القطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، لضمان توفير بيئة تعليمية مرنة تربط المعرفة النظرية بالتطبيق العملي، وتمنح الشباب الأدوات التي تمكنهم من المنافسة في الاقتصاد العالمي.
إن المجتمعات التي تستثمر في مهارات شبابها لا تصنع موظفين فحسب، بل تصنع قادة ورواد أعمال ومبتكرين قادرين على تحويل التحديات إلى فرص. فالإبداع لا يولد من فراغ، وإنما ينمو في بيئة تؤمن بالتدريب، وتحتضن المواهب، وتشجع على التجربة، وتعتبر الفشل خطوة في طريق النجاح وليس نهاية له. ومن هنا تتشكل ثقافة جديدة يكون فيها التعلم المستمر قيمة مجتمعية راسخة، لا مرحلة تنتهي بالحصول على شهادة.
وفي الوطن العربي، حيث يشكل الشباب النسبة الأكبر من السكان، تبرز الحاجة إلى تحويل هذه الكتلة البشرية إلى قوة إنتاج وإبداع تقود مسيرة التنمية في مختلف القطاعات، وفي مقدمتها السياحة والاقتصاد الأخضر والصناعات الإبداعية والاقتصاد الرقمي. فامتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يكفي لتحقيق الازدهار، بينما يبقى الإنسان المؤهل والمبدع هو الثروة التي لا تنضب.




