القصيم – عبدالله الصالحي
في إحدى زوايا سوق المسوكف الشعبي بمحافظة عنيزة تتنفس الأخشاب القديمة حياة جديدة بين يدي الفنان التشكيلي الدكتور عبدالله الفرج الذي استطاع أن يحول جذوع الأشجار وبقايا الخشب إلى أعمال فنية وتحف تحمل روح البيئة السعودية وتستحضر تفاصيل التراث بأسلوب فني معاصر

رحلة الفرج مع الفن لم تبدأ في قاعات الجامعات أو المعارض الكبرى بل بدأت مبكرًا في المرحلة الابتدائية عندما لاحظ معلم التربية الفنية الأستاذ إبراهيم الحايك موهبته وشجعه عليها ومنحه قلم باركر هدية تقديرًا لإحدى رسوماته ويقول الفرج إنه ما زال يحتفظ بالقلم حتى اليوم لما يمثله من قيمة معنوية وذكرى لأول تشجيع حقيقي تلقاه في مسيرته
وخلال دراسته في الصف السادس الابتدائي تأثر ببرنامج من كل بحر قطرة الذي كان يتضمن فقرات تهتم بالفن والصلصال والأعمال اليدوية فكان يحاول تقليد ما يشاهده ويطبق الأفكار بإمكاناته البسيطة وهو ما أسهم في توسيع خياله وتنمية شغفه بالفن
وفي المرحلة المتوسطة وجد دعمًا كبيرًا من معلم التربية الفنية الأستاذ محمد أبو الحاج رحمه الله من السودان الذي آمن بموهبته وشجعه على الاستمرار وكان له دور بارز في ترسيخ حبه للفن التشكيلي وتعزيز ثقته بقدراته الإبداعية
بعد المرحلة المتوسطة التحق الفرج بمعهد التربية الفنية في الرياض حيث درس الفن بصورة شاملة قبل أن يواصل مسيرته الأكاديمية ويحصل على الدبلوم والماجستير من جامعة الملك سعود ثم الدكتوراه من الجامعة الأمريكية في الشارقة ليجمع بين الموهبة والخبرة العملية والتأهيل الأكاديمي
ويشير الفرج إلى أن من المحطات المهمة التي صنعت نقلة نوعية في تجربته مشاركته في دورات وورش تدريبية مع الفنان العالمي علي حمود الجاسر خلال دورة تدريبية للحرفيين في منطقة القصيم حيث كان يساعده في بعض الأعمال ويتعلم منه طرق التعامل مع الخامات والخشب وهو ما ترك أثرًا واضحًا في تجربته الفنية والحرفية

بدأ الفرج مسيرته التعليمية معلمًا للتربية الفنية في منطقة الجوف ثم أكمل تعليمه في كلية المعلمين بسكاكا وبعد ذلك انتقل إلى مدارس المنطقة الشرقية في الخبر ويصف تلك المرحلة بأنها من أبرز المحطات في حياته المهنية نظرًا لما كانت تتمتع به المدارس المنشأة من شركة أرامكو من تجهيزات متقدمة ومساحات وإمكانات توفر للمعلم والطلاب مختلف المواد والأدوات الفنية
كما وجد في المجتمع التعليمي هناك اهتمامًا واضحًا بالثقافة والفن من الطلاب وأولياء الأمور وهو ما منحه دافعًا للاستمرار والتطوير وفي عام 1422هـ انتقل إلى تعليم عنيزة ثم عمل في عدد من مدارس محافظة المذنب وأقام خلال مسيرته العديد من المعارض المدرسية التي لاقت نجاحًا وأسهمت في نشر الثقافة الفنية بين الطلاب والمجتمع
ولم يتوقف نشاطه عند حدود المدرسة إذ ظل يمارس هوايته في المنزل وأنشأ ورشة فنية وحرفية مجهزة وواصل من خلالها تطوير أساليبه وتجريب الخامات وصناعة أعمال جديدة
وشارك الدكتور عبدالله الفرج في عدد كبير من المعارض والمهرجانات داخل منطقة القصيم من بينها مهرجان الكليجة ومهرجان النثيل ومهرجان أطايب الرس إلى جانب مشاركاته في فعاليات متعددة داخل المملكة
كما شارك في معارض خارجية في الكويت والإمارات وقطر والبحرين والجزائر والمغرب ومصر وقدم من خلالها أعمالًا تمزج بين الفن التشكيلي والحرفة والتراث
ويعتمد الفرج في أعماله على أنواع متعددة من الأخشاب منها الأثل والكينا والمنجا والواوا والبرسوبس والزيتون والمقنو وغيرها إلا أن خشب الأثل يظل الأقرب إلى نفسه لارتباطه بالبيئة المحلية ووجوده في الذاكرة الشعبية للمكان

ويقول إن أغلب الأخشاب التي يستخدمها قديمة أو مستهلكة ويعيد تدويرها ومنحها حياة جديدة من خلال الحفر والنحت والتشكيل والتلوين لتتحول من قطع مهملة إلى أعمال فنية تحمل قيمة جمالية وتراثية
وحول الوقت الذي يستغرقه تنفيذ القطعة يوضح أن العمل قد يتجاوز أربع ساعات وقد يمتد إلى اليوم التالي بحسب التفاصيل لكنه يحرص عادة على ألا يعمل أكثر من أربع ساعات متواصلة حتى يحافظ على تركيزه ودقته
ويؤكد الفرج أنه لا يعمل غالبًا وفق الطلبات الخاصة بل ينجز القطعة انطلاقًا من فكرته ورؤيته الفنية ثم يعرضها للبيع وقد وصلت إليه طلبات عديدة من خارج المملكة خاصة من دول الخليج كما نفذ ميداليات خاصة مرتبطة بكأس العالم في قطر بناءً على طلب أحد العملاء
ومن أبرز القطع القريبة إلى قلبه عمل فني أنجزه خلال جائحة كورونا بعد وفاة إحدى قريباته بسبب الوباء وجسد في القطعة مشهد أم تحتضن أطفالها إلى جانب رموز تعبر عن الصلاة على الميت فيما يرمز الثعبان إلى فيروس كورونا والخطر الذي أحاط بالمجتمع في تلك المرحلة
وقد عرض عليه مبلغ بلغ خمسة وخمسين ألف ريال مقابل بيع القطعة خلال أحد المعارض في الكويت لكنه رفض التخلي عنها لأنها لا تمثل بالنسبة له مجرد عمل فني بل ترتبط بذكرى شخصية وتجربة إنسانية عميقة

ويرى الدكتور عبدالله الفرج أن الحرف اليدوية ليست منفصلة عن الفن بل هي فن قائم بذاته وأن تحويل الخشب إلى تحف فنية يسهم في الحفاظ على التراث السعودي وتقديمه بأساليب مبتكرة ومعاصرة
كما يؤكد أن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 أولت الثقافة والفنون والتراث اهتمامًا كبيرًا وأن الدولة قدمت دعمًا ملموسًا للمبدعين والحرفيين إلا أن المجال ما زال بحاجة إلى مزيد من الوعي المجتمعي بقيمة العمل اليدوي وتقدير الوقت والجهد والفكرة التي تقف خلف كل قطعة
ويشير إلى أن بعض أفراد المجتمع ينظرون إلى القطعة الحرفية من زاوية السعر فقط دون إدراك الساعات الطويلة التي استغرقتها أو القيمة الفنية والإنسانية والتراثية التي تحملها وهو ما يجعل رفع مستوى الوعي مسؤولية مشتركة بين الفنان والمؤسسات الثقافية والإعلام والمجتمع
وفي رسالته للشباب الراغبين في دخول المجال الفني يدعو الفرج إلى عدم استعجال النتائج وكثرة الاطلاع والتعلم من تجارب الآخرين مؤكدًا أن الفنان عليه أن يبدأ من حيث بدأ الآخرون لأن الفن رحلة مستمرة من التعلم والتجربة والتطوير
كما يوصي الشباب بعدم الالتفات إلى المحبطين أو التأثر بقلة التقدير وأن يواصلوا العمل على تطوير أنفسهم وألا يرددوا عبارات مثل لا أعرف أو عجزت لأن الاستمرار والمحاولة هما الطريق الحقيقي لصناعة الفنان




