آخر الأخبار

قرية آل دغيم التراثية.. ذاكرة المكان تستعيد حضورها من بين حجارة الأجداد

شارك

كتبت: شذى آل دغيم

تطل قرية آل دغيم التراثية على وادي العطف، شامخةً بحجارتها التي صمدت أمام تعاقب السنين، لتقدم نموذجًا حيًا للعمارة التقليدية في قرى رجال الحجر، حيث تتناغم المباني الحجرية مع طبيعة المكان، وتتدرج البيوت في تنسيق هندسي يتلاءم مع تضاريس الجبل وانحداراته.

وتتميز القرية بتفاصيلها المعمارية التي تجمع بين الحجر المحلي والخشب، والممرات والساحات الداخلية، وتداخل مستويات المباني، إلى جانب عناصرها التراثية التي تمنح المكان هويته الخاصة. فيما تبدو إطلالتها على وادي العطف امتدادًا طبيعيًا للمشهد، وكأن القرية بُنيت لتكون جزءًا من الجبل، لا مباني قائمة عليه.

ولم تكن المحافظة على القرية مجرد إبقاء على مبانٍ قديمة، بل جاءت ثمرة جهد متواصل من أبناء آل دغيم عبر أجيال متعاقبة، لاستعادة القرية من الاندثار، وإحياء تفاصيلها، والمحافظة على ملامحها الأصيلة، لتتحول اليوم إلى شاهد حي على حياة الآباء والأجداد، ومكان يستعيد فيه الزائر شيئًا من ذاكرة الماضي.

وقال الأستاذ محمد بن سعيد آل دغيم، المشرف على القرية، إن العناية بقرية آل دغيم جاءت انطلاقًا من الإيمان بأن التراث ليس مجرد مبانٍ قديمة، وإنما هو ذاكرة مجتمع وهوية أجيال، مشيرًا إلى أن العمل في القرية يهدف إلى المحافظة على تفاصيلها الأصلية وإبراز قيمتها التاريخية والمعمارية.

وأضاف أن القرية تمثل جزءًا من ذاكرة الآباء والأجداد، وأن المحافظة عليها وإعادة إحياء تفاصيلها جاءت إيمانًا بأن المكان الذي يحمل تاريخ الأسرة والمجتمع يستحق أن يبقى حاضرًا أمام الأجيال القادمة، مؤكدًا أن ما تشهده القرية اليوم هو ثمرة جهود متواصلة شارك فيها أبناء الأسرة على مدى سنوات.

وأوضح آل دغيم أن القرية بما تتميز به من موقع وإطلالة وعمارة تراثية، تمثل نموذجًا يمكن أن يسهم في التعريف بالتراث المحلي وتعزيز حضور القرى التراثية ضمن السياحة الثقافية والتراثية.
ويكمل متحف الأستاذ سعد بن عبدالله آل دغيم المشهد التراثي للقرية ، فبينما تحفظ جدرانها ذاكرة المكان، تحفظ مقتنيات المتحف تفاصيل الحياة التي عاشها الآباء والأجداد.
ويضم المتحف مجموعة من القطع والمقتنيات التراثية النادرة التي جمعها سعد آل دغيم بشغف وحرص على مدى سنوات، لتشكل في مجموعها ذاكرة مادية توثق جوانب متعددة من الحياة اليومية والتراث المحلي.

ويعود اهتمام سعد آل دغيم بجمع المقتنيات التراثية إلى عام 1433هـ، حين بدأ رحلة البحث والاقتناء، قبل أن تتسع المجموعة وتتعدد موضوعاتها، لتضم قطعًا وأدوات تراثية تعكس جوانب من حياة الأجيال السابقة، وتحمل كل قطعة منها قصة أو دلالة مرتبطة بالمكان والإنسان.

وأوضح الأستاذ سعد بن عبدالله آل دغيم أن بداية جمع المقتنيات كانت بدافع المحبة والاهتمام بما تركه الآباء والأجداد، وقال:

«بدأت جمع المقتنيات عام 1433هـ، وكانت البداية بدافع المحبة والاهتمام بما تركه الآباء والأجداد، ثم تحولت مع مرور الوقت إلى مشروع شخصي أحرص من خلاله على جمع القطع النادرة والمحافظة عليها، حتى لا تضيع أو تندثر. فكل قطعة في المتحف لها حكاية، وبعضها لا تكمن قيمته في مادته، وإنما في علاقته بإنسان عاش هنا أو مرحلة من تاريخ المكان».

وأشار إلى أن المتحف لا يهدف فقط إلى جمع القطع القديمة، بل إلى المحافظة عليها وتعريف الأجيال بقيمتها، مؤكدًا أن المقتنيات التراثية تمثل جزءًا من الذاكرة التي ينبغي أن تنتقل من جيل إلى آخر.

وتقدم قرية آل دغيم اليوم صورة متكاملة لمفهوم إحياء التراث فالحفاظ على العمارة، واستعادة القرية، وجمع المقتنيات، وتوثيق ذاكرة المكان، كلها جهود تتكامل في إبقاء التراث حيًا، لا بوصفه ماضيًا منقطعًا، وإنما ذاكرة حاضرة يمكن للأجيال أن تراها وتلمسها وتتعرف من خلالها على حياة من سبقوهم.

وهكذا لا تبدو قرية آل دغيم مجرد مبانٍ حجرية استعادها أهلها من الاندثار، بل ذاكرة حية أعادت الأجيال إليها حضورها ، فالحجر يحفظ المكان، والمتحف يحفظ تفاصيل الحياة، والإنسان يظل الحلقة التي تصل الماضي بالحاضر وتنقله إلى المستقبل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *