جليلة كلاعي تونس
تشرع مدينة الهوارية، الرابضة على الحافة الشمالية الشرقية للوطن القبلي التونسي، في فتح بوابات التاريخ مجدداً بين الخامس والعشرين والثامن والعشرين من جوان 2026، لتعلن عن انطلاق الدورة السابعة والخمسين لمهرجان الساف.
هذا الحدث لا يمكن اختزاله في مجرد احتفالية فولكلورية عابرة، بل هو تجسيد حي لعلاقة غريزية وأنثروبولوجية معقدة تجمع بين الإنسان والجوارح، صمدت عبر القرون لتتحول إلى وثيقة هوية متجذرة في الوجدان المحلي والكوني. في هذه النسخة، التي ترفع شعار “تراث عريق – هوية متجذرة” برعاية الجمعية الجهوية للبيازرة بنابل، نجد أنفسنا أمام قراءة عميقة لمفهوم الأصالة، حيث يتحول الطائر الجارح من مجرد أداة صيد تاريخية إلى رمز للمقاومة الثقافية وصيانة الذاكرة الجمعية في عصر يتسم بالعولمة والنمطية.
يتجاوز المهرجان هذا العام بعده الاستعراضي المألوف لينصهر في أبعاد تحليلية ونقدية تمس صلب الراهن البيئي والثقافي؛ فالبرنامج المصاحب للفعاليات يحمل وعياً حاداً بضرورة حماية المنظومات الحيوية، وهو ما يترجمه التوجه نحو مناقشة حفظ التنوع البيولوجي بجبل الهوارية بالتعاون مع المجتمع المدني البيئي المحلي. إن دمج البعد العلمي بالثقافي يعكس فهماً متطوراً لـ “السياحة المستدامة”، حيث لا ينفصل الطائر عن بيئته، ولا تنفصل البيزرة كفنون ترويض عن التوازن الطبيعي الحرج للجهة.
ويتعمق هذا المزيج المعرفي عبر مد الجسور نحو الفنون البصرية والتشكيلية، والتوثيق السينمائي الذي يفكك شفرات هذه الرياضة النبيلة، ممتداً في الوقت نفسه إلى إحياء جغرافيا المكان من خلال رحلات ميدانية تبرز العمق التاريخي للمنطقة، كزيارة زيتونة “الشرف” المعمرة التي تختزل ألوف السنين من الصمود الإفريقي المتجذر.
لكن التوجه الأكثر إثارة للجدل والتحليل في هذه الدورة يتجلى في القرار الشجاع والغريب الذي اتخذته الهيئة المديرة بإلغاء كافة السهرات الفنية الليلية
هذا الإجراء، الذي قد يبدو للوهلة الأولى تراجعاً تسويقياً، يمثل في جوهره إعادة صياغة جذرية لأولويات المهرجانات الثقافية العربية؛ فالغياب الاضطراري للفضاءات المهيأة وبطء استكمال مسرح الهواء الطلق، دفعا بالمنظمين إلى تحويل الأزمة إلى فرصة لـ “التقشف الإبداعي”، والتركيز المطلق على جوهر المهرجان الأصيل: البيزرة، والرماية، والتفاعل البيئي المباشر.

إن هذا الخيار يعيد الاعتبار للفعل الثقافي النقي بعيداً عن صخب الكليشيهات الاحتفالية التجارية، مما يجعل من الهوارية مختبراً حقيقياً لكيفية إدارة التراث في أوقات التحول البنيوي، ويمنح الزائر العربي تجربة سياحية تندمج في عمق الهوية المحلية دون رتوش أو مساحيق ترفيهية زائفة.



