آخر الأخبار

نبض تونس الإيكولوجي: كيف تحوّل بحيرة بنزرت الفن إلى طوق نجاة للبيئة؟

شارك

جليلة كلاعي تونس

تتنفس المدن الساحلية التاريخية من رئتي بحيراتها، لكن بحيرة بنزرت في شمال تونس اختارت اليوم أن تتنفس فناً وثقافةً لتعلن ولادة فجر جديد لبيئتها الإيكولوجية؛ ففي مشهد استثنائي يكسر الأنماط التقليدية للعمل البيئي، انطلقت فعاليات الدورة التأسيسية لـ “مهرجان ألوان البحيرة: بيئة، فن وحياة”.
لم يعد العمل البيئي في تونس مجرد خطط بيروقراطية أو نداءات جافة تطلقها المنظمات، بل تحول بفضل هذه التظاهرة إلى ملحمة بصرية وحسية تمتزج فيها زرقة المياه بريشة الفنان، وعمق المأساة البيئية بأمل الإبداع، لتثبت تونس مجدداً أن الثقافة هي المحرك الأساسي للتغيير السلوكي والمجتمعي.
هذا المهرجان الرائد يمثل فلسفة عميقة تتجاوز مفهوم الاحتفال العابر، إذ يجسد شراكة استراتيجية نموذجية بين وزارة البيئة عبر برنامجها المندمج لإزالة التلوث “EcoPact” ووزارة الشؤون الثقافية.
إن هذا التحالف يعكس وعياً مؤسساتياً متقدماً يدرك أن إنقاذ النظم البيئية لا يمر فقط عبر الآلات والميزانيات، بل يبدأ من ترميم علاقة الإنسان بمحيطه. ومن هذا المنطلق، لم تكن المعارض التشكيلية المفتوحة مجرد زينة بصرية، بل قراءة تحليلية في ذاكرة المكان؛ فمعرض “رياس المرزوقة” يعيد إحياء هوية بحارة منزل عبد الرحمان الأوائل وطرق صيدهم التقليدية ليذكر الأجيال الجديدة بماضٍ بيئي نقي كان فيه الإنسان يعيش في تناغم تام مع الطبيعة، قبل أن تلتهم الحداثة الصناعية توازن البحيرة.
في عمق هذا الطرح التحليلي، يبرز الفن التحويلي كأداة للمقاومة والوعي، وهو ما تجسد بشكل صارخ في معرض “إبداعات من النفايات” وتحديداً في المجسم الفني التعبيري الضخم “أنين القاع” للفنان أحمد بن رجب.
هنا، يتحول الملوث والمتروك والمهمل إلى صرخة بصرية توخز ضمير المتلقي، حيث تكتسب النفايات المستخرجة من قاع البحيرة بعداً جمالياً ومأساوياً في آن واحد، لتروي قصة الاختناق الصامت الذي تعيشه الأحياء المائية تحت وطأة التلوث. هذا النقد البصري الصامت ينجح في اختراق وعي المواطن العادي بطريقة تعجز عنها آلاف الخطابات العلمية، لأنه يخاطب الوجدان الإنساني مباشرة ويضعه في مواجهة مباشرة مع مخلفات سلوكه اليومي.
ولا تقتصر عبقرية المهرجان على فضاءات العرض المغلقة، بل تمتد لتجتاح الفضاء العام تحت شعار “الهبة إلى البحيرة”، محولةً الأزقة العتيقة للمدينة، الميناء القديم، ونهج الزنايدية إلى مختبرات تفاعلية مفتوحة بين الحرفيين والناشطين البيئيين والمواطنين.

إن نقل الفعل الثقافي والبيئي إلى الشارع يكسر النخبوية ويحقق ديمقراطية الوعي، حيث تصبح التظاهرات التنشيطية والورشات الميدانية وسيلة لتسييس القضية البيئية وجعلها هماً يومياً مشتركاً. يتوج هذا الحراك الإنساني في ليلته الختامية بعرض “صرخة البحيرة” المسرحي، وبإسقاطات ضوئية وتكنولوجية متطورة (Mapping) على جسر بنزرت تختزل صراع الفن في مواجهة التلوث

هذا الدمج بين الإرث التاريخي للجهة والتكنولوجيا الحديثة والموسيقى الملتزمة لمجموعة “أجراس” يرسخ رسالة مفادها أن حماية بحيرة بنزرت هي معركة وجودية للدفاع عن الحياة نفسها، وأن الفن هو السلاح الأكثر نبلاً واستدامة لربح هذه المعركة وتأمين مستقبل أجيالنا القادمة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *