آخر الأخبار

أصداء الجاز تعود لتهزّ صخور طبرقة: كيف يحيي مهرجان “المرجان” الهوية الثقافية والسياحية لتونس

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين يمتزج صخب أمواج البحر الأبيض المتوسط بنغمات الساكسفون المتمردة، تولد طبرقة من جديد، تلك المدينة التونسية الساحرة التي طالما ارتبط اسمها بملحمة فنية فريدة عنوانها “مهرجان طبرقة الدولي للجاز”.
اليوم، وبعد غياب قسري دام ست سنوات عجاف طال فيها صمت مسرح البحر، تشرق بارقة أمل جديدة من أروقة وزارة الشؤون الثقافية التونسية، حيث ترأست الوزيرة أمينة الصرارفي جلسة عمل موسعة لرسم ملامح الدورة العشرين للمهرجان.
هذا الاجتماع لم يكن مجرد إجراء إداري عابر، بل أعلن رسمياً عن انطلاق معركة ثقافية واقتصادية تهدف إلى استعادة البريق العالمي لواحدة من أقدم التظاهرات الموسيقية في العالم العربي وأفريقيا، واضعةً هيبة الوجهة السياحية التونسية على المحك.

إن العودة المرتقبة للمهرجان في الفترة الممتدة من الثاني إلى التاسع من جويلية تمثل قراءة عميقة في مفهوم “الدبلوماسية الثقافية” كرافعة أساسية للاقتصاد الوطني، فطبرقة، بخصوصيتها الجغرافية التي تزاوج بين الغابات الكثيفة والشواطئ الصخرية المرجانية، عانت لسنوات من ركود سياحي نسبي بسبب غياب محركاتها الثقافية الكبرى. ولم يكن اختيار اللقاء للتنسيق المباشر بين وزارة الثقافة والسلطات الجهوية بجندوبة ووزارة السياحة إلا اعترافاً صريحاً بأن صناعة الترفيه المعاصر لا يمكن أن تنجح في جزر معزولة، بل تتطلب تضافر البنية التحتية، والتسهيلات اللوجستية، والرؤية التسويقية المبتكرة لاستقطاب السائح النوعي الذي يبحث عن التجربة الحية لا المجرد إقامة فندقية كلاسيكية.

العمق الفلسفي لهذه الدورة يتجلى في محاولة الموازنة الصعبة بين الوفاء لذاكرة المهرجان العريقة واستشراف المستقبل، فالجيل الجديد من صناع الموسيقى يحتاج إلى منصات تلبي تطلعاته، وهو ما تنبهت إليه اللجنة التنظيمية عبر إدراج عروض “موسيقى الشارع” (Street Jazz) المجانية.
هذه الخطوة تنقل الفعل الثقافي من طابعه النخبوي المنغلق خلف أسوار “مسرح البحر” إلى الفضاءات العامة المفتوحة، مما يخلق حالة من الديمقراطية الثقافية تدمج المجتمع المحلي والزائر العابر في تركيبة مشهدية واحدة، وتحول المدينة بأكملها إلى مسرح مفتوح ينبض بالحياة، مما يطيل من فترة إقامة السائح ويزيد من معدلات الإنفاق اليومي لصالح الحرفيين والشركات المحلية.

ختاماً، يمكن القول إن تنظيم الدورة العشرين لمهرجان طبرقة للجاز ليس ترفاً فنياً، بل هو رهان استراتيجي لإعادة تموقع تونس على خارطة السياحة الثقافية العالمية كأرض للتلاقح الفكري والفني.


النجاح هنا لن يقاس فقط بعدد التذاكر المباعة أو بنوعية النجوم العالميين الذين سيعتلون الركح، بل بمدى قدرة هذا الحدث على خلق ديناميكية مستدامة تمتد أثارها الاقتصادية والاجتماعية إلى ما بعد انطفاء أضواء المسرح، لتثبت طبرقة مجدداً أن الموسيقى كانت وستظل أفضل سفير للهوية التونسية المتعددة والمنفتحة على العالم.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *