آخر الأخبار

مهرجان الحمامات الدولي في يوبيله الماسي: ستون عاماً من صياغة الهوية الثقافية المتوسطية

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تلتقي أمواج البحر الأبيض المتوسط بجدران قصر سيباستيان الأثري، لا ينتج عن هذا اللقاء مجرد هدير عادي، بل تنبعث نوتة موسيقية عتيقة تسافر عبر الزمن لتعلن ولادة موسم جديد من مواسم الدهشة الفنية.
هكذا يطل علينا مهرجان الحمامات الدولي في دورته الستين، رافعاً شعاراً يحمل في طياته فلسفة الوجود والاستمرارية: “ذاكرة تعيش”.
إنها ليست مجرد دورة احتفالية عابرة، بل هي قراءة واعية لستة عقود من المقاومة الثقافية، حيث تحول هذا الركن التونسي الساحر من مجرد ركح صيفي إلى مختبر كوني تتقاطع فيه الحضارات، وتتحاور فوق خشبته الهويات الإنسانية في أبهى تجلياتها الفنية.

تأتي هذه النسخة الستينية (التي تمتد من الحادي عشر من جويلية إلى الثالث عشر من أوت 2026) لتؤكد أن المهرجان ليس مجرد مستهلك للمنتج الثقافي، بل هو صانع له.
من خلال اثنين وثلاثين عرضاً تجمع بين المسرح والموسيقى والرقص المعاصر، وبمشاركة مبدعين من اثنتي عشرة دولة، يرسم المهرجان ملامح جغرافيا ثقافية تتجاوز الحدود السياسية.
إن اختيار العرض المسرحي التونسي “الهاربات” للمخرجة وفاء الطبوبي ليكون فاتحة هذه الدورة، يمثل انحيازاً صريحاً وعميقاً للفعل المسرحي الجاد والملتزم بالهوية المحلية، في حين يأتي الاختتام بصوت الفنانة صوفية صادق متزامناً مع عيد المرأة التونسية، ليمنح المهرجان بعداً رمزياً يربط الإبداع الفني بالتحولات الاجتماعية والسياسية للبلاد.

عند تفكيك المشهد البرمجي لهذه الدورة، يتضح للمحلل أن المهرجان يرفض السقوط في فخ التجارية السطحية، ويصر على تقديم توليفة تجمع بين عراقة الطرح وحداثة التعبير.
يتجلى ذلك في استضافة قامات فنية استثنائية مثل مارسيل خليفة وفرج سليمان وظافر يوسف، إلى جانب أصوات عالمية كأيقونة الفادو البرتغالية “ماريزا” وصوت مالي الدافئ “ساليف كايتا”.
هذا التنوع لا يعكس مجرد رغبة في إرضاء الأذواق، بل يمثل استراتيجية فكرية تهدف إلى خلق حوار ثقافي حقيقي وجسور ممتدة بين ضفتي المتوسط وعمق القارة السمراء، مما يجعل من الحمامات عاصمة مؤقتة لكونية الفن وملاذاً للتجارب الموسيقية والمسرحية الطليعية.

إن التحول الرقمي الذي يشهده المهرجان هذا العام، من خلال حصر بيع التذاكر عبر موقعه الرسمي انطلاقاً من الثامن والعشرين من جوان، يضيف بعداً تنظيماً حديثاً يواكب متطلبات العصر ويضمن ديمقراطية النفاذ إلى المنتج الثقافي.


في النهاية، يثبت مهرجان الحمامات الدولي “اليوبيل الماسي” (لأنه أتم 60 عاماً) أن الذاكرة ليست مخزناً للماضي، بل هي طاقة حية متجددة، تصنع الحاضر وتستشرف المستقبل، ليبقى هذا المسرح الدائري المفتوح على السماء شاهداً أبدياً على أن الفن هو اللغة الوحيدة التي يمكنها إنقاذ العالم من رتابته.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *