آخر الأخبار

المهرجان الدولي لفنون السيرك في تونس.. حين تتحول الشوارع إلى مسارح للدهشة والإبداع

شارك

عبدالوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية

تخيل أن تستيقظ المدينة ذات مساء لتجد أرصفتها وساحاتها العامة قد تحولت، دون سابق إنذار، إلى ركح مفتوح تتطاير فوقه أجساد البهلوانيين، وتتشابك فيه الضحكات بالأنفاس المحبوسة، حيث تلتقي ثقافة الشارع العفوية بأعرق الفنون الاستعراضية العالمية.
هذا ليس مشهداً من رواية واقعية سحرية، بل هو الواقع المتجدد الذي عاشته تونس مؤخراً، وتحديداً مع إسدال الستار على فعاليات الدورة التاسعة للمهرجان الدولي لفنون السيرك وفنون الشارع بمدينة الزهراء في ولاية بن عروس.
في هذا الفضاء المفتوح بمنتزه زهرور، لم يكن الحضور مجرد مشاهدين سلبيين، بل تحولوا إلى جزء لا يتجزأ من العرض الفني، مما يعكس تحولاً عميقاً في كيفية استهلاك الثقافة وتوظيفها كأداة للجذب السياحي وصناعة البهجة في الفضاءات العامة العربية.

إن القيمة الحقيقية لهذا المهرجان، الذي تنظمه جمعية “باباروني لفنون السيرك” بالشراكة مع المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية، تتجاوز حدود الترفيه العابر إلى تقديم مقاربة سوسيولوجية وفنية متكاملة لـ “ثقافة الرصيف”.
اختيار شعار “سيرك الغد يبدأ اليوم” لم يكن مجرد صياغة لغوية براقة، بل هو رؤية استشرافية تؤسس لجيل جديد من الفنانين المحليين من خلال “ركح المواهب” والقرية الفنية التي احتضنت الأطفال والناشئة.
هذا البعد التكويني يمنح الفعالية ديمومة واستمرارية، ويجعل من فنون السيرك خياراً مهنياً وتعبيرياً قابلاً للتطور، وليس مجرد عروض وافدة تنتهي بانتهاء مدة المهرجان.

من الناحية التحليلية، يمثل التوزيع الجغرافي للمهرجان، والذي شمل اثنتي عشرة ولاية تونسية على مدار أكثر من أسبوعين، استراتيجية ذكية للامركزية الثقافية وتنشيط السياحة الداخلية والخارجية على حد سواء.
إن استقطاب فرق دولية محترفة من المدارس الكبرى لفنون السيرك مثل إيطاليا وإسبانيا والأرجنتين، يخلق بيئة خصبة للمثاقفة وتبادل الخبرات بين الفنانين التونسيين ونظرائهم من العالم.
هذا التمازج الثقافي يعزز من مكانة تونس كوجهة سياحية ثقافية رائدة في المنطقة العربية، قادرة على تقديم منتج سياحي بديل ومبتكر يبتعد عن النمطية، ويستثمر في الفن الحي المباشر الذي يلامس وجدان الجماهير بمختلف فئاتهم الاجتماعية والعمرية.
في المحصلة، يثبت النجاح الجماهيري الباهر للسهرة الختامية بمدينة الزهراء أن فنون الشارع تمتلك قدرة فريدة على كسر النخبويّة الثقافية وإعادة صياغة علاقة المواطن والسائح بالمدينة.


إن تحويل المتنزهات والساحات إلى حواضن للفرح والإبداع يبعث برسالة قوية حول حيوية المجتمع التونسي وانفتاحه، ويؤكد أن الاستثمار في سياحة المهرجانات الحية هو الرهان الأنجح لصناعة صورة ذهنية مشرقة، حيث تلتقي أصالة المكان بروح المغامرة والجمال التي تحملها فنون السيرك العابرة للقارات.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *