تخيل مسرحاً يحتضنه البحر، وتتحالف فيه نسمات المتوسط مع أصداء التاريخ، ليتحول على مدار ستة عقود إلى محراب كوني تلتقي فيه ثقافات العالم. هذا ليس مجرد ركح من حجر، بل هو نبض الذاكرة الحية التي تستعد مدينة الحمامات التونسية لإحيائها في الدورة الستين لمهرجانها الدولي، الممتدة من 11 جويلية إلى 13 أوت 2026. تحت شعار يحمل في طياته أبعاداً فلسفية عميقة، “ذاكرة تعيش”، لا يقدم المهرجان هذا العام مجرد احتفالية عابرة، بل يطرح وثيقة فنية تحليليّة تقرأ التحولات الإبداعية التي شهدتها الساحة الثقافية العربية والعالمية، مؤكداً أن الاستمرارية ليست مجرد تراكم للسنوات، بل هي قدرة متجددة على صياغة الوعي الإنساني.
في هذه الدورة الاستثنائية، تشهد خشبة مسرح الهواء الطلق بالحمامات برمجة مكثفة تضم 32 عرضاً فريداً، تم اختيارها بعناية فائقة لتعكس هذا المزيج المعقد بين الوفاء للجذور والانفتاح على الحداثة الفنية. إن توزيع هذه العروض بين المسرح، والموسيقى الطربية، والتعبيرات الكوريغرافية المعاصرة، يكشف عن رؤية استراتيجية واعية تسعى إلى تفكيك مفهوم “الذاكرة”. فالذاكرة هنا ليست متحفاً للأشياء الميتة أو استجراراً عاطفياً للماضي، بل هي طاقة ديناميكية تتحرك في الحاضر لتستشرف المستقبل. هذا التوازن الدقيق يتجلى في المزاوجة بين قامات فنية طبعت تاريخ المهرجان، وبين أصوات شابة وتجارب بديلة تعيد تشكيل الهوية الموسيقية لجيل اليوم، مما يجعل من المهرجان مختبراً حقيقياً لتلاقح الأجيال الثقافية.
تكتسب هذه الدورة أهمية بالغة بالنظر إلى دور المهرجان كمحرك أساسي للسياحة الثقافية في تونس والمنطقة العربية، فالحدث يتجاوز بعده الترفيهي ليصبح أداة ديبلوماسية ناعمة تعزز الحوار بين ضفتي المتوسط. يظهر البُعد التحليلي للبرمجة في كيفية إدماج الفنون الركحية التونسية والعالمية، حيث يعيد المهرجان الاعتبار للمسرح باعتباره أصل الحكاية في الحمامات، ومنطلقاً لطرح الأسئلة الوجودية والاجتماعية الراهنة.
إن الـ32 عرضاً المبرمجة ليست مجرد أرقام في جدول زمني، بل هي 32 نافذة تطل على هواجس الإنسان المعاصر، وتترجم شعار “ذاكرة تعيش” إلى تجربة حسية وبصرية يعيشها الجمهور يومياً، لتظل الحمامات، كما كانت دائماً، عاصمة للجمال، ومنارة لا تنطفئ في سماء الثقافة العربية والعالمية.