آخر الأخبار

قرطاج 2026: ستون عاماً من صياغة الهوية الثقافية العربية

شارك

جليلة كلاعي تونس

عندما تنعكس أضواء المسرح الروماني بقرطاج على حجارة صمدت لقرون، لا يرتد الصدى نغماً عابراً، بل يعود تاريخاً حياً يختزل ذاكرة أمة بأكملها، فالمسألة هنا لا تتعلق بمجرد ركح خشبي معلق بين السماء والبحر، بل بمحجّ ثقافي كُتبت فوقه شهادات ميلاد كبار الأساطير، وجُددت على أرضه تأشيرات العبور إلى الوجدان العربي.
في دورتها الستين لعام 2026، لا تستعد قرطاج لإطلاق مهرجان فني تقليدي، بل تعلن عن زلزال إبداعي يرتد في أرجاء الخارطة السياحية والثقافية للمنطقة، من خلال توليفة استثنائية تجمع بريق الحنين بجرأة التجديد، وتعيد صياغة مفهوم “العودة الثقافية” في أبهى تجلياتها.

هذه العودة الملحمية لرموز الأغنية العربية ليست مجرد استجابة لطلب جماهيري، بل هي قراءة تحليلية واعية لعمق الفجوة الإبداعية التي يعيشها الفضاء العربي الراهن.
إن اعتلاء السورية ميادة الحناوي هذا الركح بعد غياب قسري دام واحداً وعشرين عاماً يحمل دلالة رمزية بالغة، فهو ليس مجرد استحضار لزمن الطرب الجميل، بل هو إعلان صريح عن صمود الهوية الكلاسيكية في وجه موجات التسطيح الفني، حيث يمثل صوتها جسراً يربط الذاكرة التونسية بامتدادها الشامي الأصيل.
يلتقي هذا الحنين الشرقي في ذات الدورة مع عنفوان “الراي” المغاربي الذي يجسده الشاب خالد العائد بعد عشرية كاملة من الغياب، ليعيد ضخ دماء الحيوية والروح الإيقاعية الثائرة التي طالما ميزت الهوية المتوسطية المشتركة، محولاً ليل قرطاج إلى ساحة تفاعل سوسيولوجية وثقافية عابرة للحدود.
وفي المقابل، يأتي الحضور الأول للفنان العالمي سامي يوسف على هذا المسرح الأثري ليمنح الدورة الستين بعداً روحياً وصوفياً غير مسبوق، متجاوزاً الأطر الموسيقية الضيقة نحو آفاق كونية تتناغم مع فلسفة قرطاج كملتقى للحضارات والأديان.


هذا المزيج، الذي تكتمل أركانه بالوقوف المهيب لقيصرة الغناء اللبناني ماجدة الرومي، والافتتاح الاستراتيجي بصوت ابن الأرض صابر الرباعي، يحول المهرجان من حدث ترفيهي إلى رافعة حقيقية للسياحة الثقافية التونسية، حيث يتحول السفر إلى تونس خلال هذه الفترة إلى رحلة في عمق التاريخ والوعي الإنساني، ووجهة لا غنى عنها لكل باحث عن الأصالة الفنية والامتداد الحضاري.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *