آخر الأخبار

نبض الطين والرخام: كيف تُعيد “أوذنة” صياغة الهوية اللامادية في مهرجانها الدولي الثاني

شارك

جليلة كلاعي تونس

في قلب الشمال التونسي، حيث تتقاطع ظلال التاريخ الروماني مع نسيم الحاضر، لا يقف المسرح الأثري بأوذنة كشاهد صامت على حضارة خلت، بل يستعد ليتحول إلى رئة حية تنبض بصوت الأرض.
إن الدورة الثانية للمهرجان الدولي للفنون الشعبية بأوذنة، الممتدة من الثاني والعشرين من جويلية إلى الثاني من أوت من عام ألفين وستة وعشرين، ليست مجرد حدث صيفي عابر يضاف إلى أجندة المهرجانات التونسية المزدحمة.
إنها، في عمقها السوسيولوجي والثقافي، إعلان صريح عن رغبة الدولة التونسية، ممثلة في وزارة الشؤون الثقافية ومختلف هياكلها الشريكة، في إعادة هندسة علاقة الإنسان العربي بمجاله الأثري، والانتقال بالمواقع التاريخية من خانة “المزارات الجامدة” إلى فضاءات “المواطنة الثقافية الحية”.

يتجاوز هذا الموعد الثقافي فكرة الترفيه السياحي التقليدي ليغوص في فلسفة تثمين التراث الثقافي اللامادي. فالذاكرة الشعبية، برقصاتها التراثية، وأهازيجها الفلكلورية، وموسيقاها الفرّاجة، تُعد المكون الأكثر هشاشة في الهوية الوطنية لسرعة تأثره بموجات العولمة الجارفة.
من هنا، يكتسب اختيار المسرح الأثري بأوذنة كحاضن لهذه الفنون أبعاداً رمزية بالغة العمق؛ فهو لقاء بصري ومعرفي بين صلابة الرخام القديم وسيولة الفن الشعبي المتجدد. هذا المزج الفرجوي يعيد إنتاج المكان، ويمنح الجمهور فرصة لاستهلاك المادة التاريخية ليس عبر التلقي البارد، بل من خلال معايشة حية تتداخل فيها أصوات الفن الشعبي التونسي والعربي مع صدى الجدران الأثرية العتيقة.

إن التحليل العميق لبرمجة هذا العام، وتوزيع أدوار التنظيم بين المندوبية الجهوية للشؤون الثقافية ببن عروس ووكالة إحياء التراث ومسرح الأوبرا، يكشف عن استراتيجية واعية لجعل الثقافة رافعة اقتصادية وسياحية حقيقية.
لم تعد السياحة التونسية تبحث عن تقديم الشواطئ والمواقع الأثرية كمجرد بطاقات بريدية صامتة، بل أصبحت تراهن على “سياحة التجربة”.
السائح اليوم، محلياً كان أم أجنبياً، يبحث عن المعنى وعن الجذور، والمهرجان يقدم له توليفة بصرية وسمعية تجسد عبقرية المكان والإنسان معاً. هذا الحوار الإبداعي يخلق ديناميكية تنموية في ولاية بن عروس، تخرج بالموقع الأثري من عزلته النهارية ليدخل بقوة في الدورة الاقتصادية والليلية للجهة.

في المحصلة، يثبت مهرجان أوذنة الدولي للفنون الشعبية في دورته الثانية أن التراث ليس عبئاً من الماضي يجب حراسته، بل هو طاقة إبداعية للمستقبل يمكن الاستثمار فيها.
إن تحويل هذا المعلم الأثري الفريد إلى منصة وطنية وعربية للاحتفاء بالهوية اللامادية هو خطوة متقدمة نحو حوار ثقافي حقيقي، يثبت أن المجتمعات الأكثر قدرة على الانفتاح هي تلك الأكثر تجذراً في أصالتها.


غداً، عندما تنطفئ أنوار المسرح وتصمت دقات الطبول، لن يغادر الجمهور أوذنة وبقايا العروض في مخيلتهم فحسب، بل سيغادرونها وهم يحملون وعياً جديداً بأن التاريخ التونسي ليس مجرد حجارة تُزار، بل هو حكاية مستمرة تُكتب وتُغنى كل يوم.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *