تتجاوز المدن الساحلية أحياناً صفتها الجغرافية لتصبح مستودعاً حياً للذاكرة البشرية، حيث يتحول البحر من مجرد أفق أزرق إلى شريك في صياغة التاريخ والهوية الثقافية. في هذا الفضاء الممتد، تستعد مدينة جرجيس التونسية، الملقبة بعروس الجنوب الشرقي، لإطلاق الدورة الرابعة والخمسين للمهرجان الدولي للإسفنج، في تظاهرة تختزل أكثر من نصف قرن من الوفاء لموروث بحري استثنائي. هذا الحدث السنوي ليس مجرد احتفالية عابرة أو تجمع فلكلوري، بل هو قراءة عميقة في فلسفة العلاقة بين الإنسان والبيئة البحرية، وتجسيد حي لكيفية تحويل الحِرف التقليدية المهددة بالاندثار إلى رافعة حقيقية للتنمية السياحية المستدامة، وبناء جسور التواصل بين أجيال الصيادين والزوار الشغوفين باكتشاف أصالة الأعماق. تكتسب دورة هذا العام، الممتدة بين نهاية جويلية ومطلع أوت، أبعاداً تحليلية تتخطى البعد الترفيهي المعتاد، إذ يشكل المهرجان نموذجاً متكاملاً لإحياء رأس المال غير المادي للمنطقة. إن اختيار “الأصالة” كمحور ناظم للفعاليات يعكس وعياً جماعياً بضرورة صون الهوية المحلية في زمن العولمة السياحية. من هنا، تأتي الأنشطة لتربط الماضي بالحاضر عبر مسارات فكرية ورياضية وفنية؛ فالمعارض التوثيقية والندوات التاريخية التي تسلط الضوء على رواد الفكر والصيد في المدينة، تمنح الزائر بعداً معرفياً يثري تجربته السياحية، ويحيلنا إلى عمق الالتزام المجتمعي بحفظ الذاكرة الوطنية والتراث الإنساني المشترك. من الناحية الاستراتيجية، تبرز هذه الدورة بقرارها الجريء المتمثل في مجانية كافة العروض والأنشطة، وهي خطوة تحلل سياحياً واجتماعياً كأداة قوية لتحقيق “الديمقراطية الثقافية” وتعزيز السياحة التضامنية الشاملة. يتيح هذا التوجه لكافة الفئات المجتمعية، من سكان محليين ووافدين عرب وأجانب، الانصهار في بودقة ثقافية واحدة دون حواجز مادية. ويتجلى هذا التمازج بشكل ملموس في الفعاليات الميدانية، خاصة على شواطئ مثل “حسي الجربي”، حيث تلتقي لوحات الفنتازيا الفلكلورية بالعروض الإبداعية، لتقدم مشهدية بصرية تختزل سحر الصحراء والتصاقها الأبدي بموج البحر، مما يمنح سياحة الشواطئ بعداً ثقافياً ووجدانياً غائباً عن المنتجعات التقليدية.
في العمق، يظل الإسفنج الكائن الحي الذي نسجت جرجيس حوله أسطورتها الاقتصادية والثقافية، هو البطل المطلق في هذه التظاهرة. إن تسليط الضوء على تقنيات صيد الإسفنج وطرق استخراجه يمثل دعوة مفتوحة لفهم التوازن البيئي البحري، ويفتح آفاقاً رحبة لنمط سياحي جديد يتمحور حول السياحة البيئية والاستكشافية. بالتوازي مع هذا الحراك التراثي، لا يغفل المهرجان النبض المعاصر للمجتمع التونسي، وهو ما يفسره الحضور البارز للإنتاج الفني الحديث من خلال سهرات موسيقية وعروض مسرحية كوميدية كبرى تحاكي الواقع اليومي بذكاء ونقد بناء، مما يضمن تدفقاً حيوياً يمنع الموروث من التحول إلى مجرد متحف جامد.
يؤكد مهرجان جرجيس الدولي للإسفنج في يوبيله الجديد أن مستقبل السياحة العربية لم يعد رهيناً بجمالية الطقس أو فخامة المنشآت فحسب، بل بمدى قدرة المقاصد السياحية على تقديم تجارب إنسانية حقيقية ومؤثرة تلامس روح الزائر.
إن نجاح هذه التظاهرة يكمن في تحويلها الصيد التقليدي للإسفنج من مجرد وسيلة عيش غابرة إلى قصة نجاح ملهمة، تروى بلسان الفن، والرياضة، والفكر، لتظل جرجيس كما كانت دائماً، منارة تونسية تفيض بعبق البحر وتفتح ذراعيها لكل الباحثين عن المعنى والأصالة في قلب حوض المتوسط.