تخبو الأضواء وتتغير ملامح المدن، لكن المدن التي تستند إلى إرث صناعي وتاريخي عريق تظل قادرة على ابتكار الحياة من قلب العدم، هكذا تبدو مدينة قصرهلال التونسية وهي تستعد لإطلاق الدورة الحادية والثلاثين لمهرجان النسيج الدولي، في الفترة الممتدة من الأول إلى العشرين من شهر أغسطس لعام 2026. هذا المهرجان ليس مجرد حدث عابر في أجندة الصيف الثقافية، بل هو بيان وجودي لمدينة اختارت أن تحيك من خيوط القطن والمغاول تظاهرة تجمع بين صون الذاكرة العمالية وتلبية الشغف الإنساني بالفنون. في زمن يواجه فيه العمل الثقافي تحديات تمويلية خانقة، ومشاكل بنيوية تتعلق بفقر الفضاءات المجهزة، يبرز هذا المهرجان كنموذج للمقاومة الإبداعية، حيث لم تقف هيئته المديرة، بقيادة حسن بوسلامة، مكتوفة الأيدي أمام غياب مسرح صيفي، بل حولت المركب الرياضي للمدينة إلى ركح مؤقت يتسع لألفين وخمسمائة متفرج، في خطوة تعكس وعياً عميقاً بضرورة توطين الفرح وتأمين حق الجهات في الثقافة خارج المركزية التقليدية.
إن العمق الحقيقي لهذه الدورة يتجلى في الإصرار على تكريس خصوصية المدينة كعاصمة للنسيج التونسي، وهو ما يظهر جلياً في مشهد الافتتاح. فالكرنفال الضخم الذي سيجوب الشارع الرئيسي لن يكون مجرد استعراض احتفالي، بل هو حلقة وصل بصرية وتاريخية تنتهي في ساحة المسرح البلدي بعرض أزياء تقليدية يحمل بصمات خريجي مراكز التكوين المهني والمبتكرين الشبان. هذا الدمج الذكي بين قطاع التكوين المهني والفعل الثقافي يمثل استراتيجية تنموية واعية، تمنح الشباب منصة للاعتزاز بهويتهم الحرفية، وتحول المهرجان إلى حاضنة اقتصادية واجتماعية تتجاوز الترفيه السطحي إلى تثمين الرأسمال البشري المحلي. إنها محاولة جادة لربط المنتج الاقتصادي التاريخي للمدينة بالجماليات البصرية المعاصرة، مما يمنح المهرجان شرعيته الشعبية ويجعله مرآة حقيقية للمجتمع المحلي في قصر هلال.
أما المرتكز التحليلي الثاني لهذه الدورة، فيكمن في هندسة برنامجها الفني الذي جاء كبساط ملون يراعي التعددية الجيلية والذوقية دون السقوط في فخ العشوائية. يتنقل المهرجان بين النمطية الطربية التي يمثلها قامة الفن العربي لطفي بوشناق، والروح الشبابية الصاخبة عبر موسيقى الراب مع “Young RZ” وعروض “كازو”، مروراً بالمدونات الفلكلورية والروحية الضاربة في القدم مثل عرض “المحفل الجربي” وعرض “الزيارة” الصوفي الذي يختتم الفعاليات. هذا التوازن المدروس يمتد ليشمل المسرح الجاد من خلال مسرحية “ولد الطلياني”، والعروض الموجهة للأطفال مع القامة الكوميدية رياض النهدي.
إن هذه التوليفة ليست مجرد استجابة لانتظارات الجمهور، بل هي قراءة سوسيولوجية لواجب المهرجان العمومي في توفير مادة ثقافية ديمقراطية تضمن تلاحم العائلة التونسية بمختلف أعمارها واهتماماتها، لتثبت قصر هلال مجدداً أن الثقافة، متى ما توفرت لها الإرادة، يمكنها أن تنتصر على شح الإمكانيات وتصنع منصاتها الخاصة من رماد التحديات.