جليلة كلاعي تونس
بين ظلال الأعمدة الرومانية الشامخة التي تتحدى الزمن في جوف الشمال الغربي التونسي، لم يكن اختتام الدورة الخمسين لمهرجان دقة الدولي مجرد إسدال ستار تقليدي على تظاهرة ثقافية، بل كان تجلياً حياً لسطوة التاريخ عندما يمتزج بقداسة الفن الروحاني.

في تلك الليلة الاستثنائية، تحول المسرح الأثري بدقة إلى بؤرة ضوء اختزلت قروناً من الحضارة، حيث تلاشت الحدود بين الماضي والحاضر أمام طوفان بشري غير مسبوق، جاء ليشهد كيف يمكن للموسيقى أن تعيد صياغة الهوية البصرية والسمعية لواحد من أعرق المواقع الأثرية في العالم، معلنةً بشبابيك تذاكر مغلقة تماماً ومدارج مكتظة، أن الثقافة هي المحرك الحقيقي لقطار السياحة المستدامة.
إن النجاح الجماهيري القياسي الذي حققه عرض “الزيارة” للفنان سامي اللجمي في ختام هذا اليوبيل الذهبي، يتجاوز كونه مجرد رقم قياسي في بيع التذاكر، ليصبح ظاهرة سوسيولوجية وثقافية تستحق القراءة المعمقة. فإقبال الآلاف من مختلف الأعمار والمشارب، وشد الرحال من ولايات تونسية شتى نحو مركب أثري جبلي، يثبت أن السائح المعاصر — سواء كان محلياً أم عربياً— لم يعد يبحث عن الترفيه السطحي، بل بات مدفوعاً بنوع من “التوق إلى الأصل والمنبع”.
لقد قدم المهرجان في ليلته الأخيرة نموذجاً مثالياً لكيفية استغلال التراث المادي المدرج على قائمة اليونسكو، وضخ دماء الحياة في حجاره الصامتة عبر الاستثمار في التراث اللامادي المتمثل في الإنشاد الصوفي والموسيقى المقامية التونسية، وهو ما يمثل ذروة الذكاء التسويقي للمقاصد السياحية الثقافية.




