آخر الأخبار

مهرجان “حومتنا فنانة” في تونس: عندما تخلع الثقافة رداءها النخبوي لتسكن الشارع

شارك

جليلة كلاعي تونس

هل يمكن لبطحاء شعبية بسيطة، تفترش أرصفتها أحلام العابرين الباحثين عن لقمة العيش، أن تتحول بين ليلة وضحاها إلى ركح عالمي تتلاقى فوقه قيم الجمال والحرية؟
في تونس، وتحديداً من الحادي والثلاثين من جويلية وحتى السابع من أوت، لا يبدو هذا التساؤل ترفاً فكرياً، بل حقيقة نابضة تفجرها الدورة الثانية عشرة لمهرجان “حومتنا فنانة”.
هذا الحدث الذي يتخذ من “الثقافة للجميع” شعاراً وممارسة، يأتي ليعيد صياغة العلاقة بين الفن والجمهور، مبرهناً على أن الإبداع الحقيقي لا يحتاج إلى جدران إسمنتية مغلقة أو تأشيرات دخول باهظة الثمن، بل ينمو حيثما وجدت الكرامة الإنسانية وحب الحياة في أزقة المدائن العتيقة.

إن القيمة الفلسفية والأنثروبولوجية التي يطرحها فضاء “مسار” للفنون بباب العسل من خلال هذا المهرجان، تتجاوز بكثير مجرد تقديم عروض ترفيهية عابرة لتأثيث ليالي الصيف التونسي.
نحن أمام مقاربة تحليلية واعية لـ “ثقافة القرب”، تلك التي تفكك المفهوم البرجوازي الكلاسيكي للمسارح والفضاءات المخملية، وتأخذ بيد الفنون الفرجوية والموسيقية لتغرسها في عمق بطحاء باب سعدون.
في هذا الفضاء العام المفتوح، تسقط الحواجز الطبقية والاجتماعية تماماً، وتتحول الجموع المتفرجة من دور المتلقي السلبي إلى شريك بنيوي في صناعة المشهد الثقافي.
إنها عملية ديمقراطية واعية للفعل الإبداعي، تعيد للمواطن البسيط حقه الشرعي في الجمال، وتجعل من الشارع منصة للاحتجاج الإيجابي والتعبير الحر.

يتجلى هذا العمق الفكري بوضوح في الهندسة الفنية لبرنامج هذه الدورة، والتي تبدو كلوحة فسيفسائية تقرأ التحولات الثقافية للشباب التونسي والعربي وتجاري تطلعاته.
ينطلق المهرجان برحلة أنثروبولوجية موسيقية من خلال عرض “ڤربي” للفنان نضال اليحياوي، وهو نبش واعٍ في الذاكرة التراثية البديلة التي تجمع بين عراقة الجذور ومعاصرة الأسلوب.
ولا يتوقف هذا التمازج عند حدود الماضي، بل يمتد ليشمل سهرات تغوص في ثقافة “الأنمي” والكرتون التي صاغت وعي جيل كامل، مروراً بمنصات الـ “Open Mic” لسينما الراب والشعر السردي (السّلام)، وهي الفنون الأكثر تعبيراً اليوم عن هواجس الشارع وقضاياه الراهنة.
ويأتي الختام بعرض “الإسطمبالي” لبلحسن ميهوب كإعلان رمزي عن العودة إلى الجذور الروحية الإفريقية لتونس، مما يضفي على المهرجان بعداً هوياتياً وتاريخياً بالغ الأهمية.

بالنسبة لزائر تونس وسائحها الثقافي، فإن “حومتنا فنانة” لا يمثل مجرد محطة سياحية، بل هو نافذة حية ومشرعة لملامسة الروح الحقيقية للبلاد بعيداً عن الكليشيهات السياحية المعلبة.
هنا، يختلط السائح بنبض الشارع التونسي، ويتذوق الفن في شكله الخام والنقي، وسط ترحيب شعبي دافئ يعكس كرم الضيافة المتأصل.


إن تقديم هذه العروض مجاناً وللعموم دون قيود، هو رسالة حضارية بليغة مفادها أن السياحة في تونس هي سياحة إنسانية وثقافية بامتياز، قادرة على إبهار العالم بقدرتها على تحويل الفضاءات العامة إلى واحات للإبداع والفرح المشترك، ومؤكدة أن الثقافة حين تسكن الأحياء الشعبية، فإنها تحصنها بالجمال وتمنحها تأشيرة الخلود.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *