حين تلتقي أمواج البحر الأبيض المتوسط بسحر العمارة التاريخية لمدينة وهران، لا تصبح المدينة مجرد وجهة سياحية عابرة، بل تتحول إلى مسرح مفتوح يروي حكايات الشعوب وتطلعاتها عبر شاشات الفن السابع. لطالما كانت “الباهية” حصناً للثقافة وجسراً ممتداً بين ضفتي الإبداع، وهي اليوم تستعد لتأكيد هذه المكانة مع إعلان إدارة مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي عن فتح باب الترشح لدورته الرابعة عشرة. هذا الإعلان لا يمثل مجرد حدث فني عادي، بل هو دعوة مفتوحة لإعادة اكتشاف الهوية العربية من خلال عيون مخرجيها، وصناع أفلامها الذين يجدون في هذا المهرجان منصة استثنائية للتعبير والتبادل الفكري، وتحريك عجلة السياحة الثقافية التي باتت تشكل رقماً صعباً في إستراتيجيات الجذب السياحي المعاصر للجزائر.
التحليل العميق لتوقيت المهرجان وسياقه التنظيمي يكشف عن رؤية ذكية تهدف إلى استثمار القوة الناعمة للفن؛ فقد حددت إدارة المهرجان يوم الأربعاء 30 سبتمبر 2026 كآخر أجل لاستقبال طلبات المشاركة، مما يمنح المبدعين مساحة زمنية مدروسة لتقديم أحدث نتاجاتهم السينمائية التي أنتجت في الفترات الأخيرة. هذا التنافس لن يكون مجرد استعراض للمواهب، بل هو تشريح عميق لواقع المجتمعات العربية عبر ثلاث فئات مسابقاتية رئيسية: الأفلام الروائية الطويلة التي تحمل عبء الحكاية الملحمية، الأفلام الوثائقية التي توثق الذاكرة والواقع الحي، والأفلام الروائية القصيرة التي تختزل التكثيف الإبداعي في لقطات خاطفة. إن دمج هذه الفئات يضمن تنوعاً فكرياً وبصرياً يجذب شريحة واسعة من النقاد، وعشاق السينما، والسياح الذين يبحثون عن تجارب ثقافية أصيلة تتجاوز مجرد زيارة المعالم السياحية التقليدية.
ومع اقتراب موعد الفعالية المقرر في الفترة الممتدة من 18 إلى 24 ديسمبر 2026، تتأهب وهران لارتداء حلتها المهرجانية في توقيت شتوي مثالي يمنح الزوار فرصة الاستمتاع بأجواء المدينة الساحرة دون صخب الصيف. ولتسهيل تدفق هذه الإبداعات، اعتمدت إدارة المهرجان آليات رقمية مرنة تواكب العصر، حيث يتاح للمخرجين والمنتجين تسجيل أعمالهم مباشرة عبر موقع تسجيل الأفلام للمهرجان أو عبر البريد الإلكتروني الرسمي المخصص للاستقبال، مما يرفع من حظوظ مشاركة أسماء وازنة وأخرى شابّة من مختلف أقطار الوطن العربي.
إن هذا التلاقح الفني المرتقب في ديسمبر القادم لن يثري المشهد السينمائي فحسب، بل سيعيد تقديم وهران كعاصمة إقليمية للسياحة الثقافية، حيث تمتزج نقاشات المقاهي الفكرية بعروض قاعات السينما، لتكتب المدينة فصلاً جديداً من فصول تميزها الثقافي العربي والدولي.