آخر الأخبار

*الدورة الـ17 للمهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة منصة دولية ومنارة للدمج والمناصرة.*

شارك

عبدالفتاح هداني ـ السياحة العربية – المملكة المغربية

جسّدت الدورة السابعة عشرة للمهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة، التي احتضنتها عاصمة الأنوار الرباط خلال الفترة الممتدة من 05 الى 10 ماي 2026، ملحمة إنسانية وفكرية استثنائية، أكدت أن الفن لم يكن يوما مجرد ترف هامشي، بل هو قوة ضاربة في عمق التغيير الاجتماعي. ولم تكن هذه التظاهرة الدولية الكبرى مجرد مناسبة لعرض المواهب، بل تحولت إلى منصة حضارية وفلسفية راقية، تعززت بمشاركات رفيعة المستوى من عدة دول عربية وإفريقية شملت المملكة العربية السعودية، والمملكة الأردنية الهاشمية، وسلطنة عمان، والجمهورية اليمنية، وجمهورية السنغال، حيث انخرطت هذه الوفود في صياغة رؤية مشتركة تؤمن بأن الفن هو اللغة العالمية الأقوى للتعبير عن الحقوق والمناصرة.

وانطلقت هذه الدينامية المغايرة من على خشبة مسرح المنصور، حيث لم يكن العزف والغناء مجرد أداء فني، بل كان صرخة مناصرة واضحة ومباشرة. تلاقت أصوات المبدعين العميقة وإيقاعاتهم التراثية والشعبية والكناوية والحديثة لتقدم سيمفونية إبداعية خرقت جدران الصمت، وشهدت على أن الفن هو الأداة الأنجع لإظهار جوهر الإنسان بعيدا عن سلامة جوارحه، مما يحقق الدمج الحقيقي في أسمى صوره. ولم يقف الإشعاع عند حدود العرض الفني، بل امتد ليتخذ بعدا فكريا ونقديا عميقا بمركب مولاي رشيد ببوزنيقة، حيث تدارس ثلة من الدكاترة والباحثين الأبعاد المفاهيمية والحقوقية للفن الدامج، معتبرين إياه رافعة وجودية أساسية تخرج الشخص من دائرة الرعاية السلبية إلى فضاء الفعل والإبداع. وشدد المشاركون على ضرورة مأسسة هذا التوجه وتعميمه داخل المنظومة التعليمية والتربوية والرياضية، حيث أثرت الوفود العربية النقاش بعرض تجارب ميدانية فنية، أكدت دور الفن كأداة حقوقية عابرة للحدود تهدف لتفكيك الصور النمطية السلبية.

ولأن الموهبة والإبداع يظلان في حاجة ماسة إلى الاستدامة والواقعية لضمان المناصرة المستمرة، فقد فتح المهرجان نقاشا جاداً حول آليات التحول نحو *المقاولة الفنية الدامجة*، كمدخل حقيقي للتمكين الاقتصادي، وضمان أن يصبح الإبداع أداة للاستقلال الاجتماعي. وامتدت الرسائل النبيلة لهذا الحدث خارج قاعات الندوات لتشمل زيارات ميدانية ومؤسساتية وازنة للوفود العربية والإفريقية المشاركة، في تأكيد واضح على أن حق الولوج للفضاء العام والثقافة والفن هو حق دستوري وإنساني أصيل، وأن الفن هو الجسر الذي يعبر عليه المجتمع نحو فهم أعمق وقبول كامل لذوي الإعاقة.

وفي غمرة هذا النجاح الباهر، زف حفل اختتام المهرجان الدولي من على منصة مسرح محمد الخامس بالرباط، بشرى تاريخية جسدت الوعد الأكبر لهذه الدورة، والمتمثلة في الإعلان عن ميلاد هيئة مؤسساتية دولية دائمة تحمل اسم *مؤسسة المهرجان الدولي للأشخاص في وضعية إعاقة*، والتي حظيت بمباركة ودعم كبيرين من الوفود العربية المشاركة لتكون منصة لتنسيق الجهود المشتركة وتطوير البرامج الدامجة مستقبلا. ويسعى هذا المولود المؤسساتي الجديد إلى تحويل الحدث من تظاهرة سنوية إلى كيان قانوني قار ومستدام، يضمن بقاء قضية الإدماج حية ونابضة على مدار العام، وليؤكد مجددا أن المملكة المغربية، بأصالتها وحاضرها المتجدد، تظل دائماً منصة إنسانية كبرى تعانق القارات وتثبت للعالم أن الإنسان متى مُنح الضوء والفرصة، ومنح منصة للتعبير الفني، استطاع أن يضيء كل ما حوله ويحقق ذاته كجزء لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والوطني، انطلاقا من احترام التنوع و الاختلاف والغاء تحديات الإعاقة كعطاء بلا حدود.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *