نسبة السياح لزيارة القناطر تفوق التصور
القنطرة غرفة معلقة تربط بين منزلين متجاورين
اعادة ترميم القناطر في الموصل تعيد مجدها وتجعلها وجهه سياحية كبيرة
العراق / محافظة نينوى
خاص مجلة السياحة العربية –
الموصل / آلاء الصوفي
في أزقّة الموصل القديمة، تتوزع القناطر كوشوم معمارية تروي حكايات الزمن، فهي ليست مجرد بناء، بل رمز لهوية المدينة ومرآة لتراثها الغني ،تعود جذورها إلى العهد الأموي، وازدهرت بصورة أوضح خلال الحقبة العثمانية، لتصبح واحدة من أبرز معالم العمارة الموصلية، حيث صاغها الموصليون بحسّ جمالي وعبقري لتوسيع منازلهم وسط الأزقة الضيقة، مانحة كل حي جمالًا وخصوصية مميزة
(ماهي القنطرة )
القنطرة في جوهرها غرفة معلقة تربط بين منزلين متجاورين، لكنها لم تكن مجرد توسعة للمنازل فحسب، بل عنصرًا اجتماعيًا يربط بين العائلات والجيران، ويوفر مأوى للمارّة في حرّ الصيف وبرد الشتاء. تصميمها اعتمد غالبًا على الأقواس نصف الدائرية أو “نصف البرميلية”، وتطور مع الزمن ليشمل العقود المدببة والزوايا الحادة، بما يتلاءم مع خصوصية المكان ويجسد نضج العمارة الإسلامية في الموصل.
( فوائد القنطرة)
تعددت فوائدها؛ فهي تحجب الرؤية المباشرة عن أبواب البيوت، وتوفّر مساحات إضافية، وتلعب دورًا مناخيًا يحافظ على برودة الأزقة صيفًا ويخفف من قسوة الشتاء، مما جعلها حلاً معماريًا عمليًا وجماليًا في آن واحد
( احصائية للقناطر )
وفق إحصاءات القرن الماضي، بلغ عدد القناطر في الموصل القديمة نحو ١٢٠ قنطرة، لكنها تراجعت تدريجيًا بفعل الإهمال وتغيّر أنماط السكن.
ففي خمسينيات القرن العشرين لم يتبقَ منها سوى ٤٥، ثم ٢٧ قبل عام 2014، واليوم لا يزيد عددها عن ١٧ فقط بعد أن دمّرت الحرب الكثير منها.
من بين أشهرها صمدت قنطرة الجومرد التي أعيد ترميمها، بينما فقدت المدينة أكبر قنطراتها، قنطرة بيت التوتنجي، بطول 14 مترًا وعرض 4 أمتار، والتي كانت تتسع لمرور السيارات.
ويشير عالم التاريخ والآثار الموصلي” أحمد قاسم جمعة “إلى أن القناطر تمثل إحدى سمات العمارة الموصليّة منذ العهد الأموي، وإن ازدهرت في العصر العثماني، موضحًا أن تصميمها غالبًا ما يكون دائريًا أو “نصف برميلي” وأنها كانت سندًا للمنازل التي شُيّدت بعد توسعة الأزقة. وأضاف أن القناطر لها فوائد اجتماعية، إذ تربط بين منزلين وتنشئ عليها غرفة، وأكد أن هناك إهمالًا في إعادة إعمارها بسبب عدم معرفة أهميتها، على الرغم من أنها تمثل هوية الموصل.
كما استحضر جمعة ذكرياته مع القناطر منذ عام 1952، حيث كان يستظل بها عند ذهابه وعودته من المدرسة سواء عند هطول الأمطار أو في حرارة الصيف، مما يبرز العلاقة الوثيقة بين الناس وتراثهم العمراني.
من جانبه، أوضح الدكتور “مروان سالم”التدريسي بكلية الآثار، أن القناطر أحد أبرز عناصر العمارة الإسلامية المميزة وخاصة في العمارة العراقية، وأنها ظهرت في وقت مبكر في العصر الإسلامي، ثم أخذت ميزتها في الموصل بأشكال مختلفة جسّدت نضج الهندسة العمارية الإسلامية، مشيرًا إلى أن القناطر في أم الربيعين تختلف عن مثيلتها في العراق، كونها بنيت على زوايا مدببة ونصف دائرية، وشيدت فوقها غرف معلقة بثقل بناء كبير
وأضاف سالم أن القناطر بدأت بعناصر هندسية بسيطة ثم تطورت إلى أشكال متعددة، مثل الأقواس نصف الدائرية، ثم العقود المدببة، وصولًا إلى القناطر بزوايا ٩٠ درجة المصممة بما يتلائم مع المكان، مؤكدًا أن لها فائدة اجتماعية تحجب الجزء الرئيسي للمنزل وتمنع المارة من توجيه نظرهم إلى الباب مباشرة، وفائدة اقتصادية بتوفير مساحة إضافية، وفائدة مناخية إذ تبقى باردة صيفًا ودافئة جزئيًا شتاءً.
( اسماء القناطر)
الذاكرة الموصليّة تحفظ أسماء قناطرها كما تحفظ أسماء الأحياء والبيوت القديمة، من حوش الخان ونعلبند والكوازين إلى بيت الساعاتي والبيكري والمدرسة العراقية، مرورًا بالرابعية والإمام إبراهيم والحلبي وبيت عبيد آغا، إلى جانب العديد من القناطر الأخرى التي وثّقها المؤرخ الراحل عبد الجبار جرجيس مثل الجليلي (1750م)، الديوجي، القطانين، باب القلعة وبيت الدبوني، لتظل هذه الأسماء شاهدة على عمق التراث الموصلي وأصالته المعمارية.
ورغم كل قيمتها التاريخية والمعمارية، تواجه القناطر اليوم خطر الاندثار نتيجة قلة الاهتمام الرسمي وارتفاع تكاليف صيانتها، إضافة إلى نزوح العوائل من قلب الموصل القديمة، مما أدى إلى اختفاء عدد كبير منها ومع ذلك، تبقى القناطر شاهدًا حيًا على ذاكرة المدينة، رمزًا لصمود أهلها، ورسالة بأن الجمال يمكن أن ينهض من بين الركام ليعيد للموصل وجهها الأصيل
فهي ليست مجرد حجر أو طراز معماري، بل ذاكرة متجسدة في شوارع المدينة، تحت ظلالها مرّت أجيال، وتحت أقواسها ترددت أصوات الباعة ووقع أقدام الأطفال في طريقهم إلى المدارس، لتبقى جسرًا يربط بين ماضٍ عريق وحاضر يتشبّث بالأمل، ورسالة بأن التراث لا يُمحى، بل يُعاد للحياة ليحكي قصص المدينة لكل الأجيال وما زالت ورغم كل ما حل بها انها وجهه سياحية وتُقدر عدد زوارها باعداد كبيرة لما لها من ارث كبير في تاريخ مدينة الموصل