آخر الأخبار

طموح قرطاجي ورهان الذهب.. تونس تقتحم ألعاب تارانتو المتوسطية بأكبر وفودها التاريخية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لطالما كانت الموانئ التونسية القديمة بواباتٍ مفتوحة لثقافات البحر الأبيض المتوسط، واليوم تشهد شواطئ “تارانتو” الإيطالية عودة رمزية لأبناء قرطاج، ليس تجاراً بل سفراء للرياضة والتميز في النسخة العشرين للألعاب المتوسطية لعام 2026.
لا تبدو المشاركة التونسية الحالية مجرد حضور عددي لتأثيث المشهد الرياضي الإقليمي، بل هي استعراض قوة استراتيجي يعكس رغبة حقيقية في إعادة رسم خارطة النفوذ الرياضي التونسي على الساحة المتوسطية.
بدفعها بوفد قياسي غير مسبوق في تاريخ مشاركاتها الخارجية يضم 179 رياضياً ورياضية يخوضون غمار التنافس في 28 اختصاصاً، تؤكد اللجنة الوطنية الأولمبية التونسية أن الرهان يتجاوز حصد الميداليات الآنية إلى الرغبة في صناعة جيل أولمبي متكامل يمتلك جينات البطولات العالمية، قادر على مقارعة المدارس الأوروبية العريقة في عقر دارها.

يأخذ هذا الثراء العددي طابعاً تحليلياً دقيقاً عند النظر في هيكلية البعثة التي توازن بذكاء بين الخبرة الفولاذية والدماء الشابة الطموحة.
فالحضور التونسي المدجج بأبطال عالميين وأولمبيين من طينة السباح العالمي أحمد الجوادي المتوج بذهبيتين في بطولة العالم 2025، والبطل الأولمبي أحمد أيوب الحفناوي، يمنح الوفد حزام أمان فنياً ونفسياً يعزز من معنويات الوجوه الجديدة.
إن اختيار بطل التايكواندو فراس القطوسي ولاعبة كرة اليد سندس حشانة لحمل الراية الوطنية في حفل الافتتاح هو رسالة مشفرة تحمل دلالات عميقة، فالأول يمثل رياضة الدفاع عن النفس التي طالما أهدت تونس مجداً عالمياً، والثانية تجسد طموح الرياضات الجماعية النسائية التي تبحث عن موطئ قدم فوق منصات التتويج المتوسطية لأول مرة في تاريخها.
هذا التوزيع اللوجستي، الذي يقوده ميدانياً طاقم طبي وإداري رفيع المستوى، يوضح أن الاستعدادات لم تترك شيئاً للمصادفة رغم رياح الإصابات العاتية التي فرضت تغييرات اضطرارية في اللحظات الأخيرة في رياضتي التنس والترياتلون، وأجبرت الجمباز الإيقاعي على خسارة مقعد اضطراري بعد غياب البطلة آية بوصحيح لأسباب صحية.
في قراءة فنية للفرص المتاحة، تبدو الرياضات الفردية مثل التجديف – بقيادة خديجة الكريمي وسلمى الذوادي المتوجتين بفضية العالم – والرماية والقوس والسهم، بمثابة القاطرة التقليدية التي ستدفع تونس نحو المراكز الأولى في جدول الميداليات.
ومع ذلك، فإن الاختبار الحقيقي يكمن في مدى قدرة الرياضات الجماعية، وتحديداً منتخب كرة القدم لأقل من 21 سنة ومنتخبي كرة اليد والكرة الطائرة، على محو خيبة أمل دورة “وهران 2022” التي غابت فيها الرياضات الجماعية التونسية عن بريق الذهب والفضة.


إن وقوع منتخب كرة القدم في مجموعة نارية تضم المغرب وتركيا يمثل محكاً حقيقياً لتقييم عمق المواهب الشابة وقدرتها على استحضار روح ذهبية دورة “تونس 2001”.
وفي المحصلة، تذهب تونس إلى تارانتو بقلب جسور وطموح لا يحده أفق، مدركة أن المتوسط ليس مجرد بحر يفصلها عن أوروبا، بل هو حلبة إثبات الذات الرياضية وصناعة التاريخ الذي يليق براية حمراء تتوسطها الهلال والنجمة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *