جليلة كلاعي ـ تونس
لم تعد إفريقيا مجرد قارة تبحث عن المساعدات، بل تحولت إلى الساحة الأكثر إثارة للفرص الاستثمارية في العالم، حيث تولد الأفكار الرائدة وتتشكل ملامح المستقبل الاقتصادي العالمي. وفي هذا المشهد المتسارع، لم يعد يكفي عقد مؤتمرات موسمية أو لقاءات عابرة لربط المشاريع بالتمويل، بل أصبحت الحاجة ملحة إلى قنوات اتصال ذكية، ومستدامة، وقادرة على كسر الحواجز الجغرافية والبيروقراطية.
من هنا، يأتي الإعلان الصادر من قلب العاصمة التونسية كخطوة استراتيجية فارقة، تمثلت في إطلاق “غرفة الصفقات الدائمة” (Permanent Deal Room) بمبادرة مشتركة بين مجلس الأعمال التونسي الإفريقي والمجمع التونسي للتنمية في إفريقيا. هذا التحول الرقمي والمؤسساتي لا يمثل مجرد منصة إلكترونية إضافية، بل هو بمثابة إعلان عن ولادة نظام بيئي متكامل، وهيكل تمويلي مستدام يهدف إلى تحويل التحديات التنموية الإفريقية إلى صفقات استثمارية ملموسة، عابرة للحدود، ومدرة للعوائد.

إن قراءة عميقة في أبعاد هذه المنصة تكشف عن تغيير جذري في فلسفة إدارة الاستثمارات الموجهة نحو إفريقيا، حيث تنتقل الآلية من منطق “البحث عن المستثمر” إلى منطق “تهيئة البيئة الحاضنة للمشروع”.
تركز المنصة على انتقاء ومرافقة المشاريع المهيكلة ذات القيمة المضافة العالية، وتحديداً في قطاعات استراتيجية تمثل عصب النهضة الإفريقية الحديثة.
نحن نتحدث هنا عن البنية التحتية، والطاقة المتجددة، والتحول الرقمي، واللوجستيك، والصناعات الغذائية، وهي قطاعات لا تبني اقتصاداً فحسب، بل تعيد صياغة جودة الحياة لشعوب القارة. ومن خلال فتح باب الترشحات للدورة الأولى حتى منتصف جوان 2026، تضع المنصة معايير صارمة تضمن الجدية والجاهزية، حيث يُطلب من أصحاب المشاريع تقديم خطط عمل مدققة وقوائم مالية شفافة، مما يقلل من مخاطر الاستثمار ويرفع من مستويات الثقة لدى الصناديق الاستثمارية والشركاء الدوليين.
يتجاوز دور “غرفة الصفقات الدائمة” مجرد الوساطة التقليدية بين صاحب الفكرة وصاحب رأس المال، ليتحول إلى دور “المهندس الاستراتيجي” للمشاريع. فالمنصة تمنح المبتكرين والشركات القائمة ميزة “جلسات العرض الموجهة” (Pitch Sessions) التي تتيح لهم الوقوف مباشرة أمام عمالقة التمويل الدولي، مصحوبة بمرافقة شاملة وعميقة في الهيكلة المالية والقانونية والمؤسساتية.
هذا الأسلوب التحليلي والدقيق في فرز المشاريع وإعدادها يؤكد أن المنصة تسعى لبناء شراكات حقيقية وطويلة الأجل، وليس مجرد تمويلات مؤقتة. إنها خطوة تؤكد دور تونس التاريخي والجيوسياسي كبوابة ذهبية وجسر اقتصادي آمن يربط بين الطموحات الإفريقية والرساميل العالمية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتنمية المستدامة تتماشى مع تطلعات القارة في صياغة مستقبلها بيد أبنائها وبدعم من شركائها.


