جليلة كلاعي تونس
تخيل أن تقف على ربوة سيدي بوسعيد، حيث يمتزج زرق البحر ببياض الجدران، لتكتشف أن القصر الرابض هناك ليس مجرد تحفة معمارية صامتة، بل كان خلية نحل ومختبراً كونيّاً التقت فيه عبقريات الشرق والغرب.

في يومي الخامس والسادس من جوان 2026، يفتح مركز الموسيقى العربية والمتوسطية أبواب قصر “النجمة الزهراء” ليحتضن أشغال المؤتمر العلمي الدولي “رجال حول البارون”.
هذا الحدث لا يأتي لمجرد سرد الوقائع التاريخية أو الاحتفاء العابر بالماضي، بل يمثل وقفة تحليلية عميقة تبحث في ما وراء الجدران الفارهة، لتسليط الضوء على الشبكات الإنسانية والمعرفية المعقدة التي أحاطت بالبارون “رودولف ديرلانجي” وصنعت معه هذا الأثر التاريخي الفريد.
إن القيمة الحقيقية لهذا المؤتمر تكمن في قدرته على زحزحة الفهم التقليدي لشخصية البارون ديرلانجي، متجاوزاً الصورة النمطية له كفنان ومستشرق معزول في برجه العاجي.
من خلال ست جلسات علمية مكثفة، ينقب الباحثون والأكاديميون في دفاتر العلاقات الإنسانية التي ربطت البارون بنخبة من المعماريين، الموسيقيين، الفلكيين، وعلماء النبات من دول حوض البحر الأبيض المتوسط وخارجها.
هذه المقاربة التحليلية تفكك مفهوم “العبقرية الفردية” لصالح “العمل الشبكي المشترك”، حيث يتحول قصر النجمة الزهراء في هذا الطرح من مجرد سكن خاص إلى فضاء تفاعلي للتلاقح الثقافي، تلاقت فيه مهارات البنائين التونسيين المحليين برؤى الفنانين الأوروبيين، لتنتج نمطاً معمارياً وحضارياً عصياً على التكرار.
يتجاوز المؤتمر بجرأة البعد الموسيقي البحت الذي لطالما عُرف به القصر، ليعيد قراءة الاهتمامات الموسوعية للبارون برؤية نقدية شاملة. إن الغوص في تفاصيل هذا الحدث يكشف كيف تداخلت الهندسة المعمارية مع فنون صياغة الفسيفساء، وكيف تناغمت فلسفة البستنة وتصميم الحدائق مع التقنيات الصوتية داخل القصر.
يعالج الباحثون المشاركون هذه المحاور بوصفها وحدة حضارية متكاملة، حيث لم يكن الديكور أو اختيار النباتات مجرد ترف جمالي، بل كان جزءاً من مشروع فكري متكامل يسعى لصياغة هوية بصرية وروحية تعبر عن تمازج الهويات المتوسطية. هذا التفكيك المعرفي يمنح مجلة السياحة العربية والمهتمين بالثقافة بعداً جديداً لفهم “السياحة الثقافية المستدامة” القائمة على عمق القصة الإنسانية لا على بريق المكان فقط.
في المحصلة، يعيد مؤتمر “رجال حول البارون” صياغة الذاكرة الجماعية لقرية سيدي بوسعيد، واضعاً إياها في قلب النقاش الأكاديمي الدولي كمركز إشعاع ثقافي متجدد.
إن تأجيل هذا الحدث في وقت سابق وتمديد آجال التحضير له لم يكن مجرد إجراء تنظيمي، بل كان استراتيجية واعية لتوسيع دائرة النقاش وجلب قراءات نقدية أكثر عمقاً وتنوعاً. تظل النجمة الزهراء، من خلال هذا المحفل العلمي، منارة لا تخبو، تذكرنا بأن المعالم السياحية العظمى لا تُقاس فقط بجمال حجارتها، وإنما بعمق الأفكار التي ولدت بين جدرانها وحجم الإرث الإنساني الذي تركته للأجيال المتعاقبة.


