جليلة كلاعي تونس
حين تصبح الجبال الوعرة التي عانت طويلاً من العزلة الأداةَ الأكثر مرونة في هندسة الدبلوماسية الثقافية، فإننا لا نتحدث هنا عن مجرد نشاط محلي عابر، بل عن تحول جيو اقتصادي وثقافي عميق يُعيد صياغة مفهوم التنمية المستدامة من قلب الهوامش.

هذا هو المشهد الاستثنائي الذي يفرضه اليوم “المركز الثقافي الجبلي بسمّامة” بولاية القصرين التونسية، وهو يتلقى دعوة رسمية من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر للمشاركة في القافلة الدولية “طريق الحرير 2026” في محطتها الروسية المقبلة، بعد أن تركت المبادرة بصمتها في المحطة التركية السابقة.
إنها لحظة فارقة تتجاوز الاحتفاء بحدث سياحي، لتطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة التراث الرعوي واللامادي لعمق القارة الإفريقية على التحول إلى نموذج كوني يلهم مجتمعات آسيا وأوروبا، ويُقدّم إجابات عملية وجمالية لأعقد أزمات العصر: التغير المناخي والنزوح الريفي.
هذا العبور الدولي الذي يقوده الناشط الثقافي عدنان الهلالي لا يأتي من فراغ، بل هو نتاج عبقرية محلية عرفت كيف تُصالح الإنسان الجبلي مع مجاله الحيوي في وقتٍ تبحث فيه المنظمات الدولية عن حلول مرنة لمكافحة التصحر وحماية البيئات الهشة.
تكمن القوة التحليلية لتجربة “سمّامة” في ابتكار مفاهيم مثل مبادرة “طريڨ الهطّايا”؛ وهي ليست مجرد مسلك سياحي بل إحياء واعي لخطوط الانتجاع والترحال الرعوي التقليدي، التي تحولت اليوم إلى شريان اقتصادي يحرك السياحة البيئية ويثمن المنتجات الحرفية المحصورة في تلك المرتفعات.

من خلال دمج هذه الممارسات التاريخية ضمن مبادرة “Green IYRP” الإقليمية بالتزامن مع “السنة الدولية للمراعي والرعاة 2026″، نجح المركز في تقديم الأطروحة التونسية كأداة حية للتكيف الإيكولوجي، مبرهناً على أن الثقافة والموسيقى الرعوية وفنون الأرض ليست ترفاً، بل هي خط الدفاع الأول ضد زحف الجفاف والتصحر وضد فقدان الهوية المحلية.
في المحطة الروسية المرتقبة، لن يكون الوفد التونسي مجرد زائر يروي حكاية نجاح، بل سيكون شريكاً استراتيجياً في صياغة سياسات تطوير القرى النائية والبلدات التي يعبرها “طريق الحرير” التاريخي.
إن فلسفة التجربة المستلهمة من جبال القصرين تقوم على فكرة “أنسنة الجغرافيا الصعبة”، حيث تلتقي الفنون بالبيئة لنحت مسالك عيش جديدة للأقليات الثقافية والمجتمعات الرعوية تحت ظروف مناخية قاسية.
هذا التشبيك الدولي يمنح سياحتنا العربية بعداً جديداً مغايراً للصورة النمطية؛ فهو ينقلها من دور “المستهلك” أو “المستضيف” إلى دور “المُصدّر” للأفكار والحلول البيئية والثقافية، مما يعزز موقع تونس كمنارة للسياحة البديلة التي تعتمد على استدامة الموارد البشرية والطبيعية قبل البنية التحتية الصلبة.
إنه بامتياز انتصار لإرادة الأرض، واعتراف كوني بأن الحلول الكبرى لأزمات الكوكب قد تولد أحياناً من تفاصيل حياة راعٍ في أقصى جبال تونس.



