آخر الأخبار

تونس تستدعي المستقبل: عودة صالون “سابري” الصناعي بعد غياب عقدين يعيد رسم خارطة السياحة الاستثمارية في أفريقيا

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم تكن الجغرافيا يوماً مجرد خطوط على خارطة، بل هي قدر اقتصادي يصنع الفارق لمن يتقن استثماره، وحين تقرر تونس نفض الغبار عن أحد أبرز منصاتها الصناعية الدولية بعد غياب دام نحو عشرين عاماً، فإنها لا تحيي مجرد تظاهرة عابرة، بل تعلن عن ولادة محور استراتيجي جديد يربط ضفتي المتوسط بالعمق الأفريقي.
إن العودة المرتقبة للصالون الدولي لقطع الغيار والمعدات والخدمات الصناعية في دورته العاشرة، والمقرر إقامتها في الفترة الممتدة من 17 إلى 20 نوفمبر 2026 بقصر المعارض بالكرم، تحت شعار “القطب الأفريقي لأجل الاستثمار والتجديد”، ليست مجرد حدث تجاري؛ بل هي قراءة عميقة في تحولات الهيكل الإنتاجي التونسي الذي بات يمثل اليوم 17% من الناتج الداخلي الخام ويستقطب حوالي 20% من مواطن الشغل في البلاد، مما يمنح هذا المحفل أبعاداً تتجاوز لغة الآلات إلى آفاق سياحة الأعمال والتبادل المعرفي العابر للحدود.

هذا الغياب الطويل الذي امتد منذ آخر دورة شهدها الصالون في سنة 2007، عاصرته تبدلات جذرية في المفاهيم الاقتصادية العالمية، حيث انتقل العالم من نمط التصنيع التقليدي إلى الثورة الصناعية الرابعة “الصناعة 4.0” والرقمنة الشاملة.
وتأتي إعادة إطلاق المعرض بتنظيم وتنسيق مشترك بين المركز الفني للصناعات الميكانيكية والكهربائية (CETIME) والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (UTICA)، وتحت رعاية وزارة الصناعة والمناجم والطاقة، لتعكس وعياً حقيقياً بضرورة مصاحبة هذا التحول الهيكلي، فالقطاع المعملي التونسي يواجه اليوم استحقاقات مصيرية ترتبط بالتحول الطاقي والمنافسة الدولية الشرسة، بالإضافة إلى التكيف الصارم مع المعايير البيئية والايكولوجية الجديدة، وهو ما سيجعل من صالون “سابري 2026” مختبراً حياً لمناقشة الصيانة الذكية، الروبوتيك، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في خطوط الإنتاج.

إن القيمة المضافة الحقيقية لهذه النسخة تكمن في قدرتها على دمج الأبعاد العلمية بالفرص الاستثمارية، وهو ما يتبلور بوضوح في احتضان المعرض لأعمال الندوة الأفريقية الثامنة للمراقبة غير المدمرة والصيانة الذكية، مما يضفي على التظاهرة زخماً قارياً يستقطب الباحثين والصناعيين وصناع القرار من مختلف أنحاء العالم. ومن المتوقع أن تشهد أروقة المعرض حركية استثنائية تؤسس لنمط حيوي من سياحة المؤتمرات، مع ترقب توافد أكثر من 15 ألف مهني وزائر، ومشاركة 250 عارضاً متخصصاً في مجالات التكنولوجيا والابتكار، إلى جانب 120 خبيراً ومحاضراً دولياً، مما يساهم بشكل مباشر في تنشيط قطاعات الخدمات، النقل، والفندقة، ويرسخ مكانة تونس كوجهة رائدة لسياحة الأعمال في المنطقة العربية والمغاربية.

لم تغفل اللجنة المنظمة التحدي الأكبر المتمثل في استدامة هذا النمو وتوريث الخبرات، حيث يطرح الصالون مبادرات خلاقة تشمل رصد جائزة كبرى للصيانة الصناعية، وإطلاق مسابقة موجهة خصيصاً لدفع الابتكار التكنولوجي والبعث الصناعي لفائدة الشباب الأفريقي؛ وهي خطوة ذكية لتحويل التظاهرة من سوق لعرض المعدات وقطع الغيار إلى حاضنة إقليمية للمشاريع الناشئة.


إن عودة هذا الصالون بعد عشرين عاماً من الغياب تثبت أن تونس لا تبحث عن استعادة مجدها الصناعي القديم، بل تعيد صياغة موقعها كمنصة انطلاق استراتيجية تربط بين التكنولوجيا الأوروبية المتطورة والأسواق الأفريقية الواعدة، مستندة إلى إرث كفاءاتها وبنيتها التحتية، لتثبت مجدداً أن الصناعة والسياحة الاستثمارية وجهان لعملة واحدة قوامها التميز والتجديد.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *