جليلة كلاعي تونس
لم تكن تونس، عبر محطاتها التاريخية المتعاقبة، مجرد جسر جيو-سياسي يربط بين ضفتي المتوسط، بل كانت ولا تزال حاضنة كبرى ومختبرًا حيًّا لصناعة الهوية الفكرية والحضارية للأمة العربية والإسلامية.
واليوم، يعود هذا الدور الريادي ليتصدر المشهد الثقافي والأكاديمي من جديد مع إعلان انطلاق فعاليات “المدرسة الصيفية الدولية الأولى للعلوم الوثائقية العربية”، والتي تتوزع جلساتها العلمية ومختبراتها التطبيقية بين حركية العاصمة تونس وجلال القيروان، العاصمة الروحية والتاريخية للمغرب العربي.
هذا الحدث لا يمثل مجرد نشاط أكاديمي عابر أو تجميع للنخب البحثية، بل هو إعلان صريح عن استيقاظ الوعي بأهمية “الوثيقة” و”المخطوط” باعتبارهما الركيزة الأساسية للسياحة الثقافية والمعرفية، والوسيط الحي الذي يربط بين ماضي الأمة ومستقبلها، ويعيد قراءة الجغرافيا التونسية لا كشواطئ ومنتجعات فحسب، بل كمتاحف مفتوحة وخزائن معرفية زاخرة تنتظر من يفك شفراتها التاريخية.
إن اختيار تونس والقيروان لتوطين هذه المدرسة ينم عن رؤية تحليلية عميقة تدرك تمامًا قيمة المكان في صناعة المعنى، فالقيروان، بمسجدها الجامع وعراقة “بيت الحكمة” ومكتباتها العتيقة، تمثل العمق الاستراتيجي للتوثيق العربي الإجمالي، حيث ولدت المخطوطات الفقهية والعلمية والطبية وشهدت تطور الخط القيرواني الشهير، بينما تمثل تونس العاصمة بمؤسساتها الوطنية الحديثة مثل دار الكتب الوطنية والمعهد الوطني للتراث حلقة الوصل ومختبرات الترميم الحديثة.
هذا المزيج الجغرافي يمنح المشاركين من الباحثين العرب والأجانب فرصة نادرة لمعاينة المادة الوثائقية في بيئتها الأصلية، والانتقال من الطرح النظري البارد إلى الممارسة العلمية الحية التي تلامس رقوق المخطوطات ونفائس الحبر، مما يعزز مفهوم “سياحة الآثار الفكرية” التي باتت تستهوي النخب المعرفية حول العالم وتجعل من تونس وجهة أولى لعلماء المخطوطات والوثائق العربية والخطوط القديمة.
في جوهرها التحليلي، تسعى هذه المدرسة الصيفية إلى كسر النمطية التقليدية في التعامل مع الإرث الوثائقي العربي، متبنيةً مقاربات بين-منهاجية حديثة تجمع بين الفيلولوجيا (علم تحقيق النصوص)، والكوديكولوجيا (علم المخطوط باعتباره أثرًا ماديًا)، والدبلوماسية (علم الوثائق الرسمية والرسائل والعهود)، بالإضافة إلى تقنيات الرقمنة والذكاء الاصطناعي في الفهرسة والحفظ.
إن إحياء هذه العلوم في فضاء تونسي مفعم بالتاريخ يحمل أبعادًا أعمق ترتبط بإعادة بناء الذاكرة الجماعية وحمايتها من التشويه أو النسيان، ويؤكد أن المحتوى الوثائقي هو محرك أساسي لإنتاج المعرفة المعاصرة وليس مجرد نصوص ميتة في الخزائن المظلمة، كما يفتح هذا الزخم الأكاديمي آفاقًا واعدة للاستثمار السياحي الثقافي، من خلال تحويل مسارات البحث العلمي إلى مسارات سياحية استكشافية تعيد إحياء طريق القوافل الفكرية التي كانت تلتقي في القيروان لتنشر النور في ربوع العالم.



