آخر الأخبار

تونس 2027: الهندسة الجديدة لعروس المتوسط وعودة الروح إلى جغرافيا الياسمين

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تُعلن القرارات الرسمية في المحافل الإقليمية عن اختيار مدينة ما عاصمةً للثقافة أو السياحة، غالباً ما يتجه التفكير التقليدي نحو الكرنفالات العابرة والمهرجانات الموسمية التي تنتهي بانتهاء غلافها الزمني، بيد أن إعلان تونس عاصمةً للسياحة العربية لعام 2027 يحمل في طياته أبعاداً مغايرة تماماً، تتجاوز منطق الاحتفالية المشهدية إلى صياغة رؤية استراتيجية متكاملة لإعادة ابتكار الوجهة.
هذا التتويج، الذي جاء متزامناً مع انضمام البلاد إلى شبكة المدن المبدعة لمنظمة اليونسكو، لا يمثل مجرد مكافأة للتاريخ الثري أو الجغرافيا الساحرة لـ “تونس البيضاء”، بل يمثل نقطة تحول بنيوية واختباراً حقيقياً لقدرة الوجهة الكلاسيكية على تفكيك قوالبها التقليدية، وإعادة بناء هويتها البصرية والخدمية بما يتوافق مع شروط السفر الحديث في عالم ما بعد الرقمنة.
إننا أمام رؤية لا تكتفي ببيع الشواطئ المشمسة، بل تسعى إلى تسويق “التجربة التونسية” الكاملة القائمة على عمق الأثر وصناعة المعنى.
في العمق التحليلي لخارطة الطريق الممتدة نحو عام 2027، يتضح أن الرهان التونسي المعاصر يرتكز على مفهوم “المقاربة التشاركية العابرة للقطاعات”، وهو اعتراف ضمني بأن السياحة لم تعد شأناً معزولاً تديره وزارة بمفردها، بل هي محصلة نهائية لجهوزية الدولة بأكملها.
من هنا، تلتقي خطط التطوير العمراني ومشاريع تهيئة الفضاءات العامة وتحسين جمالية المدن مع استراتيجيات النقل والربط الجوي، لتشكل مجتمعة البنية التحتية الصلبة التي تدعم البنية الناعمة للمشروع.
هذا التمازج القطاعي يهدف بالأساس إلى معالجة الإشكاليات الهيكلية المزمنة للقطاع، وتحويل المدن التونسية إلى متاحف مفتوحة وحواضر ذكية قادرة على استيعاب التدفقات البشرية بمرونة وعفوية، مع إدماج الذكاء الشبابي والطلابي من خلال مسابقات الابتكار والتصميم لصياغة الهوية البصرية للحدث، مما يمنح المبادرة مشروعية شعبية وروحاً معاصرة متجددة.
يتوازى هذا الجهد العمراني والتنظيمي مع إعادة صياغة جذرية لمفهوم “المنتج السياحي” التونسي، حيث تشهد الاستراتيجية الحالية انتقالاً تدريجياً من سياحة الكتلة الشاطئية التقليدية إلى سياحة البدائل المستدامة والنخبوية.
وتتجلى هذه الفلسفة في عمليات إعادة تأهيل المنشآت الفندقية ومراكز الإيواء وفق معايير الجودة العالمية، وتطوير مسارات سياحية وثقافية مبتكرة تربط بين سحر الآثار القرطاجنية والإسلامية وبين حيوية الأسواق العتيقة والصناعات التقليدية. ولعل الاستثمار الذكي في تدفقات السياحة البحرية الوافدة عبر الموانئ الرئيسية، وتحويل ركاب السفن العملاقة إلى مستهلكين للمنتج الثقافي والمحلي، يمثل نموذجاً حياً لكيفية تعظيم القيمة المضافة من العابرين، وتحويل العبور المؤقت إلى رافعة اقتصادية مستدامة للمجتمعات المحلية والشركات الناشئة.
أما على صعيد الاتصال والتسويق، فإن الخطة الكبرى لن تنجح في تحقيق اختراق حقيقي في السوق العربية والدولية دون تبني لغة ترويجية تقطع مع الخطاب الكلاسيكي وتتحدث بلغة العصر الرقمي.


إن توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي، وصناعة المحتوى الإبداعي الرقمي، وتكثيف الحضور النوعي في البورصات العالمية الكبرى كمعرض برلين، لا يهدف فقط إلى جذب السياح، بل إلى إعادة تموضع تونس كمركز جذب استثماري واقتصادي في حوض المتوسط. إن طموح 2027 لا يقف عند حدود تسجيل أرقام قياسية في الوافدين أو العائدات المالية، بل يطمح إلى تأسيس نموذج سياحي مرن، مستدام، ومقاوم للأزمات، يجعل من أصالة الإرث التونسي وقوداً لمستقبل اقتصادي واجتماعي واعد.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *