جليلة كلاعي تونس
لطالما ظلت تونس، بحكم الجغرافيا والتاريخ، تنظر إلى الشمال؛ حيث الشواطئ الأوروبية التي استأثرت بثلثي مبادلاتها التجارية عقوداً طويلة، في معادلة ارتهان اقتصادي كبلت طاقات الإنتاج المحلية. غير أن رياح التغيير باتت تهب اليوم من الجنوب، وتحديداً من قلب المبادرة التجارية الأضخم عالمياً: منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية (زليكاف).
وجاءت الزيارة الرسمية الأخيرة للأمين العام للمنظمة، وامكيلي ميني، لتقرع جرس الاستيقاظ الاستراتيجي، معلنةً أن تونس لا تمتلك مجرد فرص عابرة، بل تتربع على مخزون من المزايا التنافسية والقدرات التصديرية غير المستغلة التي تؤهلها لقيادة قاطرة الاندماج الإقليمي. هذا التحول لا يمثل مجرد تنويع عابر للأسواق، بل هو إعادة تموضع جيوسياسي واقتصادي يعيد الاعتبار للعمق الإفريقي لتونس كبوابة رئيسية لنمو مستدام يتجاوز الأزمات التقليدية للاقتصاد العالمي.
يتجاوز الحضور التونسي في فضاء “زليكاف” منطق الرغبة السياسية إلى مربع الفاعلية الرقمية والهيكلية؛ فالبلاد لم تعد مجرد موقع على الاتفاقية، بل غدت مختبراً حياً لتطبيقاتها. وتظهر المؤشرات التحليلية أن رقمنة شهادة المنشأ وإطلاق منصتها الإلكترونية قد فتحا الباب لأكثر من ثلاثمائة عملية تصديرية فعلية، مما يبرهن على مرونة المنظومة الإدارية التونسية وقدرتها على التكيف السريع.
تكمن القوة الكامنة لتونس في مؤشر تعقدها الاقتصادي المرتفع مقارنة بمحيطها الإقليمي، وهو ما يمنح منتجاتها الصناعية والتحويلية، فضلاً عن قطاع الخدمات والذكاء الاصطناعي، أفضلية تنافسية مطلقة في أسواق غرب ووسط وجنوب إفريقيا. هذا التنوع الإنتاجي يسمح للشركات التونسية بقطع دابر التبعية للأسواق التقليدية، والاندماج الذكي في سلاسل القيمة الإفريقية، مستفيدة من التداخل الاستراتيجي والربط اللوجستي بين اتفاقيتي “زليكاف” والكوميسا لتسهيل حركة الرساميل والسلع.
ومع ذلك، فإن هذا الأفق الواعد يصطدم بجدار من التحديات الهيكلية المزمنة التي تحول دون تدفق هذه الإمكانات بكامل طاقتها. فرغم أن قيمة الصادرات التونسية نحو دول إفريقيا جنوب الصحراء بلغت عتبة المليار وستمائة مليون دينار، إلا أن قراءة الأرقام بعمق تكشف عن وجود فجوة هائلة وقدرات تصديرية معطلة تُقدر بنحو مليارين ومائتين وثمانين مليون دولار.
يعود هذا القصور بالأساس إلى معوقات لوجستية حادة، تتصدرها ندرة خطوط الربط البحري والجوي المباشرة التي تجعل كلفة الشحن نحو عمق القارة باهظة ومستنزفة للوقت. يضاف إلى ذلك غياب شبكات التوزيع القوية وضآلة التمثيل التجاري والدبلوماسي في العواصم الإفريقية الحيوية، ناهيك عن التعقيدات البيروقراطية في المعاملات الديوانية وصعوبة وصول المؤسسات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل وضمانات القرض الضرورية لتأمين عملياتها في أسواق عالية المخاطر.




