جليلة كلاعي تونس
تخيل سوقاً غذائية استهلاكية تتجاوز قيمتها ثلاثة وثلاثين مليار دولار، تنبض بالحيوية في قلب غرب إفريقيا، وتتطلع بشغف نحو الضفة الجنوبية للمتوسط للظفر بمنتجات تجمع بين معايير الجودة العالمية والأصالة المتوسطية، هذا ليس مجرد سيناريو نظري لنمو اقتصادي مأمول، بل هو الواقع الديناميكي الجديد الذي بدأت تفرضه الدبلوماسية الاقتصادية التونسية في العاصمة الغانية “أكرا”، حيث نجحت أربع مؤسسات تونسية رائدة في قطاع الصناعات الغذائية في كسر القوالب التقليدية للتصدير، وبناء شراكات عمل مباشرة ومستدامة مع كبار المتعاملين والمستوردين الغانيين، لتعلن بذلك عن مرحلة جديدة من التغلغل الاستراتيجي داخل الأسواق الواعدة لجنوب الصحراء الكبرى.
إن هذا الاختراق التجاري الناجح، والذي أشرف على هندسته مركز النهوض بالصادرات التونسي (CEPEX)، لا يمكن قراءته كحدث عابر أو مجرد صفقات تجارية محدودة، بل يمثل تحولاً بنيوياً في عقلية التصدير التونسية التي أصبحت تعتمد على الرصد الميداني والتحليل العميق لسلاسل القيمة وشبكات التوزيع المحلية، فلم تقتصر البعثة التجارية التونسية على اللقاءات الثنائية المغلقة، بل نزلت بثقلها إلى أسواق الجملة، وسلاسل التوزيع الحديثة، ومنافذ البيع التقليدية في غانا، مما أتاح للمستثمر التونسي فهم سيكولوجية المستهلك الغاني، ومعاينة النقص الذي يمكن للمنتجات التونسية المتميزة وسريعة الاستهلاك أن تسده بكفاءة عالية، خاصة في ظل القبول الكبير الذي حظيت به تشكيلة المنتجات المعروضة من زيت الزيتون البكر، والتمور الرفيعة ومشتقاتها، والعجائن الغذائية، والكسكسي، وصولاً إلى معلبات الأسماك كالتونة والسردين والمشروبات والمصبرات.
وعند تفكيك الأرقام والمؤشرات الاقتصادية الأخيرة، يتضح أن المقومات الاستراتيجية لهذه الشراكة تحمل أبعاداً أعمق بكثير مما تحققه الأرقام الراهنة، فرغم أن غانا تحتل حالياً المرتبة الحادية عشرة كشريك تجاري لتونس في منطقة إفريقيا جنوب الصحراء، إلا أن الصادرات التونسية نحو هذا البلد الإفريقي سجلت قفزة نوعية قياسية بلغت 64% خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026.
هذا المنحنى التصاعدي الحاد يكشف عن تعطش السوق الغانية للمنتج التونسي، ويثبت بالدليل القاطع أن قيمة الفرص التصديرية غير المستغلة والتي تفوق عشرين مليون دولار ليست مجرد تقديرات متفائلة، بل هي واقع استثماري ملموس ينتظر تدفق المزيد من السلع والخدمات التونسية لملء هذا الفراغ التجاري.




