آخر الأخبار

تونس تترنم في بروكلين: أمل المثلوثي ورفاقها يكتبون فصلاً جديداً للدبلوماسية الثقافية في نيويورك

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين تلتقي أصالة السواحل القرطاجية بصخب الـ”تايمز سكوير”، لا بد أن تولد لحظة استثنائية تعيد رسم خرائط الفن الإنساني.
ففي العاشر من جويلية، لن تكون حديقة “بروسبكت بارك” الشهيرة في نيويورك مجرد مساحة خضراء في قلب بروكلين، بل ستتحول إلى منصة كونية تهتز على وقع النبض التونسي، حيث يلتقي الثلاثي الاستثنائي آمال المثلوثي، وياسين بولعراس، ونسرين جابر، في موعد فني يتجاوز حدود الترفيه العابر ليدخل في عمق حوار الحضارات.
هذا الحدث، الذي يأتي ضمن فعاليات “مهرجان حبيبي” العريق وشراكته مع منصة “بريك سيلبريت بروكلين”، يمثل وثيقة إدانة فنية لكل الصور النمطية، ويقدم دليلاً حياً على أن الموسيقى العربية المعاصرة باتت تملك من الأدوات الجمالية ما يؤهلها لقيادة المشهد الإبداعي العالمي، وليس فقط التواجد على هامشه.

إن القيمة التحليلية لهذا المحفل الموسيقي تكمن في طبيعة التركيبة الفنية الاستثنائية التي تجمع هؤلاء المبدعين. فالمسألة لا تتعلق بحفل غنائي كلاسيكي، بل بمختبر حي لامتزاج الموروث بالمعاصر.
يقود المايسترو وعازف الساكسفون ياسين بولعراس الدفة الفنية مستنداً إلى تراكمات دراسته في باريس ونيويورك، ومستلهماً روائع الروحانيات التونسية ليعيد صياغتها بروح الجاز النيويوركي، مما يخلق أرضية إيقاعية صلبة ومرنة في آن واحد.
فوق هذه الأرضية، تأتي نسرين جابر لتضيف أبعاداً درامية وعميقة عبر آلة التشيلو وصوتها الذي يحمل شجن المتوسط، لتلتحم في ذروة السهرة مع الصوت الأيقوني لآمال المثلوثي، والتي لا تغني لمجرد الطرب، بل تقدم عبر ألبومها الأخير “MRA” بياناً فنياً ثورياً يدمج الموسيقى الإلكترونية الحادة بجرأة الروك وثراء البوب المعاصر، لتعلن من فوق مسرح “لينا هورن” أن الهوية التونسية هي هوية متطورة، متجددة، وغير قابلة للمصادرة في قوالب الفولكلور الجامد.

من منظور السياحة الثقافية، يشكل هذا الحفل نموذجاً ملهماً لكيفية تحويل الفنون إلى قوى ناعمة تجذب الأنظار نحو الوجهات السياحية العربية، فحضور الآلاف من الجمهور الأمريكي والعالمي في هذا الفضاء المفتوح لمتابعة تيار موسيقي قادم من شمال إفريقيا، يخلق فضولاً معرفياً وسياحياً لا يمكن لأكبر الحملات الإعلانية التقليدية تحقيقه.
إنها سياحة الوجدان التي تدفع المستمع الغربي للبحث عن جذور هذا الصوت، وعن تلك الأرض التي أنجبت هذا المزيج المذهل بين الحداثة والأصالة.


في النهاية، تثبت سهرة بروكلين المنتظرة أن الفنانين التونسيين لم يعودوا مجرد سفراء لبلدهم، بل باتوا صناعاً لوعي كوني جديد، يعيد كتابة الرواية العربية في المغترب بمداد من النور، والإيقاع، والحرية.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *