جليلة كلاعي تونس
في وقت تتسارع فيه خطى العولمة وتتشابه فيه المنتجات الاستهلاكية، تصبح العودة إلى الأصالة وإحياء الموروث الشعبي ليس مجرد خيار ثقافي، بل استراتيجية سيادية لحماية الهوية الوطنية ودعم الاقتصاد المحلي.
ومن هذا المنطلق، شكّل الموكب الذي أشرف عليه وزير السياحة التونسي، السيد سفيان تقية، محطة فارقة ومحورية في مسار إعادة تموضع قطاع الصناعات التقليدية التونسية، حيث لم يكن الحدث مجرد بروتوكول رسمي لتوقيع اتفاقيات أو توزيع جوائز، بل عكس رؤية عميقة وممنهجة تهدف إلى تحويل الحِرفة من مجرد نشاط عائلي متوارث إلى قطاع اقتصادي مهيكل، يستند إلى ذراع إعلامية قوية وحماية قانونية وثقافية للمستهلك، تضمن له الاستدامة والتنافسية في الأسواق المحلية والدولية.

تتجلى عمق الرؤية التونسية في الإدراك الفطن لأهمية “التسويق السردي” في العصر الرقمي، وهو ما تجسد في الشراكة الاستراتيجية بين الديوان الوطني للصناعات التقليدية ووكالة تونس إفريقيا للأنباء.
فالمنتوج التقليدي التونسي لا يبيع مجرد سلعة، بل يبيع قصة وتاريخاً وحضارة تمتد لآلاف السنين، ولن يتسنى للعالم اكتشاف هذا الثراء دون تغطية إعلامية محترفة ومضامين سمعية بصرية مبتكرة.
إن هذه التوأمة الإعلامية ستسهم في نقل الحرفي من عزلته المحلية إلى الفضاء الاتصالي الأرحب، مستهدفةً صناعة رأي عام يقدر القيمة المضافة للعمل اليدوي، وموجّهةً بوصلة السائح العربي والعالمي نحو تذوق تفاصيل الخزف والسجاد والحلي التونسية كقطع فنية فريدة تستحق الاقتناء والدعم.

بالموازاة مع البعد الإعلامي، يبرز البعد الحمائي والتنظيمي كركيزة ثانية لضمان استمرار القطاع، وهو ما تمثلت فيه الاتفاقية المبرمة مع المنظمة التونسية لإرشاد المستهلك، إذ يواجه المنتج التقليدي اليوم تحديات جمة تتعلق بالتقليد والسلع الموازية ذات الجودة المنخفضة، وجاءت هذه الخطوة لترسيخ ثقافة الجودة وحثّ المستهلك على اقتناء المنتوجات المطابقة للمواصفات والمعتمدة من الدولة.

إن تحصين وعي المستهلك التونسي والعربي بأهمية الشهادات الرسمية والمنشأ لا يحمي فقط المشتري من الغش، بل يمثل جدار حماية للمسالك التجارية المنظمة، ويضمن ذهاب العائدات المالية إلى الحرفيين الحقيقيين الذين ينفقون عرقهم ومهارتهم في الحفاظ على أسرار هذه المهن من الاندثار.






