في فضاء المجمّع الثقافي التاريخي بأبو ظبي، وحيث تتقاطع عراقة الماضي مع طموحات الحاضر، تستعد العاصمة الإماراتية لاستضافة مشهد فني استثنائي يجاوز حدود الحفلات التقليدية ليتحول إلى ظاهرة ثقافية متكاملة الأركان.
إن انطلاق مبادرة “رياحيات” لأول مرة في دولة الإمارات بالتزامن مع يوم المرأة الإماراتية، ليس مجرد حدث عابر في أجندة الفعاليات الفنية، بل هو إعادة تشكيل جذرية للمفهوم السائد عن ثقافة الاستماع والإنتاج الإبداعي الأنثوي في المشهد العربي المعاصر. هذا الحدث، الذي يجمع بين القيادة الفنية والتفاعل الجماهيري الواسع، يمثل قراءة تحليلية عميقة لقدرة الفن على صون الهوية الجماعية وتمكين الصوت النسائي في أنقى صوره التعبيرية.
تبرز الأهمية البنيوية لهذه الأمسية في تجاوزها للمسافة التقليدية التي تفصل بين خشبة المسرح وصالة الجمهور، حيث تتأسس فلسفة المبادرة التي تقودها الفنانة التونسية لمياء الرياحي على مفهوم “الطرب التشاركي الغامر”. هنا، يتحول المتلقي من خانة المستهلك السلبي للمنتج الفني إلى صانع حقيقي له، إذ يندمج الجمهور النسائي مع سيدات “كورال العرب” لإنتاج حالة حية من الغناء الجماعي الطربي. هذا الدمج يعيد إحياء الجلسات الطربية العربية القديمة بإطار مؤسسي معاصر، ويؤكد أن الذاكرة الموسيقية الشرقية ليست مجرد نصوص جامدة تُستدعى من الماضي، بل هي كائن حي يتنفس ويتطور من خلال الحناجر الحاضرة والمشاركة الفاعلة.
من ناحية أخرى، يعكس اختيار العاصمة أبو ظبي كمنطلق لهذه التجربة بالتنسيق مع دائرة الثقافة والسياحة والإنتاج الفني المتقن لشركة “Highways Arabia”، الرؤية الاستراتيجية لدولة الإمارات في تحويل التراث الفني إلى جسر للتواصل الإنساني والثقافي. إن حضور الإشراف الموسيقي الأكاديمي بقيادة الدكتور أحمد عبد الستار برفقة نخبة من العازفين المحترفين، يضمن الحفاظ على الرصانة اللحنية للأعمال الخالدة مع إعطائها نفساً معاصراً يلاءم طبيعة العرض الغامر. هذا المزج الدقيق بين العفوية التشاركية والانضباط الأوركسترالي يمنح “رياحيات” عمقاً نقدياً يجعلها نموذجاً يحتذى به في إحياء الفنون الكلاسيكية بروح تناسب الألفية الجديدة.
لا تكتمل القيمة المعرفية والثقافية لهذه الأمسية الاستثنائية دون الوقوف عند البعد التكريمي الذي يرسخ الرابط الوثيق بين الإبداع الفني والمشهد الثقافي الشامل. إن تخصيص مساحة للاحتفاء بالنساء الإماراتيات المبدعات في حقول الأدب، الفنون البصرية، النحت، وصناعة الأفلام، يمثل اعترافاً صريحاً بالتكامل بين مختلف صنوف الفنون.
في هذه الليلة، لا تُعزف الألحان في معزل عن الكلمة أو الصورة، بل تتدفق الموسيقى كمرآة عاكسة لنهضة فكرية نسائية تقودها رائدات إماراتيات وضعن بصماتهنّ في تاريخ المنطقة، لتظل “رياحيات” أكثر من مجرد ليلة للطرب، بل بيان ثقافي يرسخ مكانة أبو ظبي كحاضنة أولى للإبداع العربي الرصين.