جليلة كلاعي تونس
لم يكن إعلان فوز الفيلم التونسي “صوت هند رجب” بالجائزة الكبرى في مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة المغربية مجرد حدث بروتوكولي عابر، بل صرخة فنية مدوية اخترقت جدران الصمت لتثبت مجدداً أن الفن الفتيّ في تونس لا ينفصل عن نبض الشارع العربي وآلامه الممتدة. في قلب هذه التظاهرة القارية العريقة، نجح المخرج التونسي في تحويل المأساة الإنسانية الدامية إلى وثيقة بصرية خالدة، منتزعاً “الجائزة الكبرى للسينما الإفريقية” وسط منافسة شرسة، ليعيد صياغة مفهوم السينما الملتزمة التي لا تكتفي برصد الواقع بل تحفر في عمق الوجدان الإنساني المشترك.
يأتي هذا التتويج المستحق ليؤكد القيمة التحليلية العميقة التي يحملها الفيلم، حيث لا يستند العمل إلى البكائية الاستعراضية، وإنما يتخذ من التكثيف الدرامي واللغة البصرية الصارمة أداة لتفكيك الواقع. إن اختيار قصة “هند رجب” ليس مجرد استحضار لحدث خبري، بل هو إدانة سينمائية ذكية للموت العابر، وتحويل الصوت المخنوق تحت الركام إلى سيمفونية إنسانية عابرة للحدود والقارات. المخرج وظّف الصمت والاطارات الضيقة ليعكس حجم الاختناق الإنساني، مما جعل قضاة لجنة التحكيم الدولية بخريبكة يجمعون على أن الفيلم تجاوز الحدود الجغرافية التونسية ليمثل وجعاً كونياً ويسجل انتصاراً حقيقياً لسينما الموقف.

منظور التظاهرة الفنية في المغرب الشقيق يرسخ بوضوح عمق الروابط الثقافية المغاربية والإفريقية، حيث باتت منصة خريبكة جسراً يربط المبدعين التونسيين بامتدادهم القاري. هذا الفوز التونسي الجديد يعيد للذاكرة السينمائية ريادتها، ويمثل في الوقت ذاته رسالة بالغة الأهمية لقطاع السياحة الثقافية العربية، فالأفلام المتوجة عالمياً تصبح سفيرة للهوية، وتجذب الأنظار إلى بيئة الإنتاج الفكري الحرة والمبدعة في تونس. لقد أثبت “صوت هند رجب” أن الفن حين يمتلك الجرأة والصدق، فإنه لا يحصد الجوائز فحسب، بل يغير الطريقة التي يرى بها العالم قضايا العرب العادلة من بوابة الفن السابع المتجدد.



