آخر الأخبار

بنزرت تستدعي زمن “الراي” الجميل: كيف أيقظ الشاب مامي نوستالجيا الموسيقى في ليلة تونسية حاشدة

شارك

جليلة كلاعي تونس

حين يمتلئ مسرح الهواء الطلق ببنزرت حتى تضيق مدرجاته بالبشر، وتذوب الحدود الفاصلة بين الحاضر والماضي في صيف تونس، فاعلم أن الموسيقى لا تقود سهرة عابرة، بل تعيد صياغة تاريخ كامل.


لم يكن صعود أمير الراي الجزائري الشاب مامي إلى ركح مهرجان بنزرت الدولي مجرد إيفاء ببرنامج فني مسطر، بل كان لحظة تجلٍّ وجودية لجيل كامل استيقظت في وجدانه فجأة ذكريات الثمانينات والتسعينات.
في تلك الليلة، لم يكن الجمهور يستمع إلى أغنيات حفظها عن ظهر قلب فحسب، بل كان يسترد قطعة من صباه، ويعيد قراءة مسيرته الشخصية من خلال حنجرة استثنائية لم تزدها العقود الأربعة الماضية إلا صلابة ونضجاً وعمقاً وتأثيراً في ثنايا الذاكرة العربية المغاربية.

لقد حملت هذه السهرة في طياتها بعداً تحليلياً يتجاوز أرقام التذاكر والشبابيك المغلقة، ليعيد طرح التساؤل حول سر استمرارية أغنية الراي وقدرتها على اختراق الزمن.
الشاب مامي، الذي توشح بعلمي تونس والجزائر في خطوة رمزية بليغة، لم يكتفِ بتقديم أرشيفه الغنائي الموسوم بالهوية والتحولات الاجتماعية، بل قدم درساً في “سوسيولوجيا الفن”، حيث تحولت أغنيات مثل “مالي مالي” و”فاطمة” إلى جسور ثقافية تعبر فوق فكرة الحدود الجغرافية.
إن النضج العالي الذي ظهر به الفنان على المسرح، وصوته الذي تحدى عاديات الزمن واحتفظ بمرونته وقوته الأصيلة، يثبت أن موسيقى الراي لم تكن مجرد موجة فلكلورية عابرة، بل هي قاطرة الأغنية العربية الحديثة بامتياز، قادرة على تجديد حيويتها كلما تلامست مع جيل متعطش للأصالة وللكلمة النابعة من عمق الشارع والوجدان.

هذا التماهي المطلق بين الفنان والجمهور، والذي تجسد في هتاف متواصل وتصفيق لم ينقطع حتى بعد أن أعلن الميكروفون نهاية العرض، دفع الشاب مامي للعودة إلى المسرح مجدداً تلبية لنداء العاطفة والمحبة، وهو ما يعكس مكانة تونس كحاضنة تاريخية للإبداع الجزائري.
في عمق هذا الحفل الاستثنائي، تتأكد حقيقة واحدة: إن السياحة الثقافية في تونس لعام 2026 ليست مجرد زيارة لأماكن أثرية أو شواطئ ساحرة، بل هي انغماس في تجارب إنسانية حية تحيي الذاكرة المشتركة.


لقد أثبت مهرجان بنزرت الدولي في دورته الثالثة والأربعين أن الفن الحقيقي لا يموت، بل يدخل في حالة من الدفء العاطفي المخبوء، حتى يأتي موعد اللقاء الفاصل ليعلن من جديد أن الذاكرة الجماعية لعشاق الراي ما زالت نابضة، حية، وقادرة على حشد الآلاف في ليلة تونسية لن تنمحي من الأذهان بسهولة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *