آخر الأخبار

تريلوجيا “طريق المالوف” في بوقرنين: حين تصبح الموسيقى هوية عابرة للحدود المغاربية

شارك

جليلة كلاعي تونس

لم يكن ركح مسرح الهواء الطلق بحمام الأنف، الشامخ تحت ظلال جبل بوقرنين الأسطوري، مجرد منصة لعرض موسيقي عابر في ليلة من ليالي الصيف، بل تحول في لحظة استثنائية إلى مهبط لوحي أندلسي عتيق، أعاد صياغة الجغرافيا المغاربية على أوتار القلوب ونبض الطبوع.


في هذه الأمسية التي سجلها تاريخ مهرجان بوقرنين الدولي بمداد من نور وتراث، التقت المدارس الموسيقية لثلاث دول شقيقة لتعلن ولادة مشروع “طريق المالوف”، وهي مغامرة فنية فريدة وقّعها الفنان التونسي سفيان الزايدي، بمشاركة استثنائية من عملاقي الفن الأصيل: الجزائري عباس الريغي والليبي رضوان شابك.
لقد تجاوز هذا العرض حدود الترفيه السطحي ليتحول إلى وثيقة ثقافية حية، تؤكد أن التراث الصوفي والأندلسي ليس مجرد متحف للمواويل المهجورة، بل هو شريان نابض يتدفق بالهوية والانتماء المشترك الذي لم تنجح المسافات ولا تقلبات الزمن في طمسه.

تبدى العمق التحليلي لهذا العرض منذ اللحظات الأولى التي اعتلى فيها الفنان سفيان الزايدي الركح منفردًا مع عوده.
لم يكن عزفه مجرد استعراض تقني للمقامات، بل كان استدعاءً واعيًا للذاكرة الجمعية التونسية عبر استنطاق الطبوع الأصيلة التي تنام في وجدان هذا الشعب.
امتازت القيادة الموسيقية للزايدي برؤية فكرية واضحة تهدف إلى إنقاذ هذا الموروث من عزلته الأكاديمية ونقله إلى فضاء جماهيري رحب، وهو ما تجلى في التفاعل العفوي والعميق للجمهور الذي وجد في تلك النوتات مرايا لروحه المتطهرة من صخب الحداثة الزائفة.
إن نجاح المدرسة التونسية هنا يكمن في قدرتها على الموازنة بين الصرامة المقامية للمالوف وبين المرونة التعبيرية التي جعلت المتلقي الشاب قبل الكهل يهتز طرباً وزهواً بخصوصيته الثقافية.

ومع صعود الفنان الجزائري عباس الريغي، انفتحت السهرة على أفق تحليلي آخر يربط الحاضر بجذور الأندلس المفقودة.
حمل الريغي معه هيبة المالوف القسنطيني ومدرسته العريقة كأمانة تاريخية لا تقبل التفريط، مقدماً نموذجاً حياً لكيفية تحول الموسيقى إلى أداة لمقاومة النسيان.
فالمالوف في الجزائر ليس مجرد نمط غنائي، بل هو فلسفة حياة وصيغة وجودية صمدت عبر الأجيال لتصل إلينا بنقائها وصفائها الفني. لقد أظهر التمازج بين المدرستين التونسية والجزائرية على المسرح أن الفوارق الطفيفة في الأداء أو النطق لا تزيد المشهد إلا ثراءً وتنوعاً، مؤكدة أن الجذع المشترك لهذه الشجرة الأندلسية لا يزال قوياً وقادراً على طرح ثمار فنية مبهرة تعكس عمق اللحمة المغاربية.

لم يكتمل هذا المثلث الإبداعي إلا بفيض الروحانية الذي تدفق مع إطلالة الشيخ والمنشد الليبي رضوان شابك، الآتي من منارات مدينة “زليتن” التراثية.
لقد نقل شابك الجمهور من طرب المقامات إلى فضاءات الوجد الصوفي السامي، عبر مختارات من قصيدة البردة الشهيرة “يا أكرم الخلق من ألوذ به”، متبوعة بصلوات ووصلات تراثية مستقاة من صلب الطريقة العروسية الأسمرية مثل “جود عليا يا مولاي” و”بالله يا خيالة”. هذا الانتقال الذكي نحو البعد الصوفي أضفى على العرض عمقاً صوفياً فلسفياً، مبيناً أن المالوف المغاربي ليس مجرد ترف فني بل هو متصل اتصالاً وثيقاً بالروح والعبادة والبحث عن السكينة. في تلك اللحظات، توحدت الحناجر وتلاشت الفوارق، وبات المسرح أشبه بـزاوية صوفية كبرى تحتفي بالجمال المطلق.

تكمن القيمة الحقيقية لمشروع “طريق المالوف” في كونه بادرة ذاتية نابعة من إيمان عميق لصناعه بضرورة الحفاظ على هذا الإرث المغاربي الموحد.
وتأكيد الزايدي على عزم المجموعة مواصلة هذا الدرب في محطات قادمة، كمهرجان المدينة، يعكس وعياً حاداً بدور الفنان كحارس للذاكرة الوطنية والقومية.


إن هذا العرض يثبت لجمهور مجلة السياحة العربية وللعالم أجمع، أن السياحة الثقافية في منطقتنا المغاربية لا تقوم فقط على المعالم الأثرية الصامتة، بل تتغذى بالأساس على هذه الكنوز الحية اللامادية التي تسافر بالزائر في رحلة عبر الزمن، لتؤكد أن الموسيقى تظل دائماً وأبداً الجسر الأقوى والأجمل لربط الشعوب بهويتها وجذورها الأصيلة.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *