عبدالوهاب البراري ـ تونس
في لقاء استثنائي يكسر الحواجز الزمانية والمكانية، يجتمع عازف الكمان والمؤلف الموسيقي التونسي زياد الزواري مع الصوت الآسر للفنانة درصاف الحمداني في عرض “مع الزمن” (Avec le Temps). هذا العمل ليس مجرد حفل موسيقي عابر، بل هو مختبر فني تمتزج فيه الروح الشرقية الأصيلة بروح الأغنية الفرنسية “الشونسون” (Chanson Française)، في صياغة حديثة تعيد الاعتبار للكلمة واللحن.
ويستمد العرض عنوانه من رائعة “Léo Ferré” الشهيرة “Avec le temps”، لكنه لا يقف عند حدود التكريم، بل يغوص في مفهوم “الزمن” كخيط ناظم للتجارب الإنسانية. يسعى الثنائي الزواري والحمداني إلى خلق فضاء يلتقي فيه عبق الماضي بتجريبية الحاضر، حيث تتحول الكمان إلى راوية لقصص لا تحتاج إلى ترجمة.
درصاف الحمداني: صوت يحمل ذاكرة لغتين
لطالما عرفت درصاف الحمداني بقدرتها الفائقة على أداء الأدوار الشرقية والموشحات، تماماً كما برعت في غناء “باربرا” و”إديث بياف”. في “مع الزمن”، تقدم درصاف أداءً يوازن بين شجن الأغنية الفرنسية وزخارف الموسيقى العربية. صوتها هنا يمثل “البرزخ” الذي يربط بين نصوص شعرية فرنسية خالدة ومقامات تونسية وشرقية، مما يمنح المستمع تجربة شعورية عابرة للقارات.
زياد الزواري: كيمياء الأوتار والتوزيع المبتكر
من جهته، يقود زياد الزواري هذه المغامرة الموسيقية برؤية معاصرة. الزواري، المعروف بلقب “عازف الكمان المتعدد”، يطوع آلاته لتكون همزة الوصل بين “الغرب” الكلاسيكي والحديث، وبين “الشرق” الصوفي والشعبي. من خلال توزيع موسيقي ذكي، ينجح الزواري في جعل الآلات الوترية تتحدث بلغة عالمية، محولاً الألحان الفرنسية الشهيرة إلى قطع موسيقية تتنفس برئة عربية.
يتميز عرض “مع الزمن” بثلاث ركائز أساسية:
الشعرية: اختيار نصوص تحمل عمقاً فلسفياً ووجدانياً.
الارتجال: ترك مساحات واسعة للكمان وللصوت للتعبير عن اللحظة الراهنة، وهو ما يضفي طابعاً حياً ومتجدداً على العرض.
الهوية العابرة: إثبات أن الموسيقى التونسية قادرة على استيعاب الموروث العالمي وإعادة تصديره برؤية محلية مبدعة.
هذا العرض هو لقاء الأغنية والروح بين عملاقان في المجال الموسيقى وهو دعوة للتأمل والاستماع بعمق
.
هو عرض يثبت أن الحداثة لا تعني القطيعة مع الأصل، بل هي “زمن” إضافي يمنح القصيدة القديمة حياة جديدة. مع زياد الزواري ودرصاف الحمداني، نحن أمام رحلة موسيقية تتجاوز التصنيفات الضيقة، لتستقر في وجدان المستمع كذكرى لا يمحوها الزمن.



