آخر الأخبار

سبيطلة تستعيد مجدها الأثري بإيقاعات معاصرة: كيف يحول المهرجان الدولي للراب “سفيطلة” إلى عاصمة سياحية وثقافية رائدة

شارك

جليلة كلاعي تونس

بين ظلال الأعمدة الرومانية الشامخة التي حرست تاريخ تونس لقرون، وتحديداً في قلب ولاية القصرين، تستعد تونس لتسطير فصل جديد ومباغت في كتاب سياحتها الثقافية، إذ لم يعد الموقع الأثري الاستثنائي بسبيطلة مجرد شاهد صامت على حضارة البيزنطيين والرومان، بل سيتحول قريباً إلى منصة حية تنبض بأحدث التعبيرات الفنية المعاصرة من خلال المهرجان الدولي للراب في دورته التأسيسية التي تحتضنها المنطقة بين الثامن والرابع عشر من شهر أغسطس من العام الجاري.
هذا التحول النوعي، الذي جرى رسم ملامحه وتفاصيله اللوجستية والفنية في جلسة عمل وزارية بإشراف وزارة الشؤون الثقافية التونسية، لا يمثل مجرد حدث فني عابر، بل يعكس رؤية استراتيجية عميقة تسعى إلى فك العزلة التنموية عن المناطق الداخلية التونسية، وإعادة صياغة الهوية السياحية للمنطقة عبر دمج الموروث المادي العريق بالثقافة الشبابية الحية الأكثر انتشاراً عالمياً.

إن اختيار موسيقى الراب والهيب هوب لتكون محوراً لمهرجان دولي يقام في حضن أحد أهم المواقع الأثرية في شمال إفريقيا يحمل دلالات سيميائية وثقافية بالغة العمق؛ فهذا المزج الجريء بين أصالة المعمار الروماني وهندسته الخالدة وبين الطاقات التعبيرية المتفجرة لثقافة الشارع المعاصرة يخلق صدمة إيجابية للمشهد السياحي التقليدي، حيث يتجاوز المفهوم الكلاسيكي “للسياحة الثقافية” القائم على المشاهدة السلبية للآثار، ليدخل بالزائر في تجربة تفاعلية حية تلامس قضايا العصر ونبض الشباب العربي والعالمي.
ومن خلال الحرص الوزاري على إبراز الخصوصية الفنية والتنوع للمهرجان مع دمج المواهب الشابة المحلية بالجهة ومنحها فرصة الوقوف إلى جانب كبار نجوم هذا الفن، يتحول الحدث من مجرد استعراض موسيقي إلى منصة تنموية مستدامة تضمن إشراك المجتمع المحلي في صناعة الحراك السياحي، وتخلق فرصاً اقتصادية غير مباشرة تنعش قطاعات الضيافة، والنقل، والصناعات التقليدية بالقصرين.

يتطلب النجاح المستقبلي لهذا المهرجان الواعد استمرارية التنسيق الأفقي والمكثف بين مختلف الهياكل الحكومية، لاسيما وزارتي السياحة والثقافة، لتحويل هذه الدورة التأسيسية إلى علامة تجارية سياحية قادرة على جذب الجماهير المحلية والإقليمية بصفة دورية، وتثبيت سبيطلة كوجهة لا غنى عنها في المسارات السياحية البديلة بتونس.
إن المراهنة على تلميع الصورة الاتصالية لهذا الحدث وابتكار استراتيجيات تسويقية حديثة تتماشى مع العصر الرقمي، هما الكفيلان بجعل هذا المهرجان قاطرة للتنمية الجهوية وسفيراً متجدداً للسياحة التونسية التي تثبت يوماً بعد يوم قدرتها على التجدد، والابتكار، والانفتاح على آفاق ثقافية لا تعرف الحدود، جاعلة من حجارة “سفيطلة” القديمة مسرحاً متجدداً لأحلام وطاقات المستقبل.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *