جليلة كلاعي تونس
في وقت تتجه فيه أنظار صناع القرار السياحي في المنطقة العربية نحو تعزيز التنافسية واستقطاب التدفقات العالمية، تضع تونس ملف الجودة والاستدامة البيئية في صدارة أولوياتها السيادية، مدركة أن بقاء الوجهة في دائرة الضوء لم يعد رهين الميزات الطبيعية الفطرية فحسب، بل يرتكز بالأساس على كفاءة الإدارة اللوجستية وقدرة البنية التحتية على الصمود أمام ضغط التدفقات المليونية.
هذا الوعي الاستراتيجي تجسد بوضوح في الحركية المكثفة التي تشهدها أروقة وزارة السياحة التونسية، والتي تترجمت في تفعيل خطة عمل مشتركة عابرة للوزارات، تهدف إلى إعادة صياغة الواقع الميداني للمناطق السياحية وفق معايير صارمة تمزج بين الدعم المالي السخي والرقابة اللوجستية اللصيقة.
إن القراءة التحليلية للتوجهات التونسية الأخيرة تكشف عن تحول عميق في إدارة الأزمات الظرفية، حيث انتقل صانع القرار من المقاربة العلاجية التقليدية القائمة على رد الفعل، إلى مقاربة استشرافية تعتمد على تحصين البيئة الحاضنة للسائح.
وتثبت الأرقام المرصودة عبر صندوق حماية المناطق السياحية أن ضخ أكثر من ثمانية ملايين دينار كاعتمادات إضافية لفائدة العمل البيئي البلدي ليس مجرد إجراء تنظيفي عابر، بل هو استثمار مباشر في “الصورة الذهنية” للوجهة التونسية، حيث تم تخصيص النصيب الأوفر من هذه الموارد لتحديث آليات النظافة واقتناء معدات متطورة لتهيئة المسالك، إلى جانب التكفل بـستين بالمائة من تمويل البرنامج الآلي لتنظيف الشواطئ، وهو ما يمثل اعترافاً حاسماً بأن الشاطئ التونسي يظل القاطرة الأساسية للجذب، وأن نظافته هي الخط الدفاعي الأول عن سمعة السياحة المحلية.
ولم تقف هذه الاستراتيجية عند حدود الدعم المالي الموجه للمجالس البلدية، بل توازت مع ذراع رقابية بالغة الصرامة والاتساع، عكستها الحصيلة القياسية لعمليات التفقد التي قاربت أربعة آلاف عملية تفتيش منذ مطلع العام.
هذا الرقم الضخم يشير إلى رغبة حقيقية في فرض سيادة القانون التجاري والصحي على كافة مكونات المنظومة من فنادق ومطاعم ووكالات أسفار، حيث لم تعد لجان المتابعة تكتفي بمراقبة الأسعار أو شفافية المعاملات، بل توغلت في تفاصيل هندسة السلامة الحيوية، بدءاً من جودة المسابح ومراكز العلاج بالمياه، وصولاً إلى المحيط البيئي العام للرحلات، مما يبعث برسالة قوية للأسواق الدولية مفادها أن الأمن الصحي وجودة الخدمات في تونس هما خط أحمر لا يقبل التنازل.




