جليلة كلاعي تونس
بين زرقة البحر الأبيض المتوسط المتلاطم على صخور بنزرت، والامتداد الأخضر الأخاذ لأراضي شمال تونس، تبرز منطقة “كاب زبيب” اليوم ليس فقط كوجهة سياحية عذراء، بل كمنطلق لثورة فكرية ومعمارية قد تعيد تشكيل مفهوم السياحة البيئية في المنطقة العربية بأسرها.
في الرابع والعشرين من أوت الحاضر، لا تنطلق مجرد دورة تدريبية عادية في البناء الإيكولوجي، بل تفتتح تونس مختبراً ميدانياً حياً يمتد على مدار خمسة وأربعين يوماً، ليعيد الاعتبار لتقنيات البناء بالطين، وتحديداً تقنية “سوبر أدوب” المعمارية.
هذا الحدث، الذي ينظمه المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، يتجاوز كونه ورشة عمل تقنية ليتحول إلى بيان فلسفي وعملي حول كيفية تصالح الإنسان مع مجاله الحيوي، وإعادة بناء الفضاءات السياحية والسكنية بالاعتماد على خامات الأرض وبأقل البصمات الكربونية الممكنة.
إن التوجه نحو تقنية “سوبر أدوب” في هذا التوقيت بالذات يحمل أبعاداً تحليلية عميقة تتجاوز مجرد الحنين إلى الماضي أو الرغبة في التوفير الاقتصادي.
نحن أمام استجابة ذكية للتغيرات المناخية القاسية التي تضرب حوض المتوسط، حيث تقدم هذه البيوت الطينية حلولاً هندسية مستدامة تمتاز بالعزل الحراري الطبيعي، ومقاومة الكوارث، والاندماج البصري والبيئي الكامل مع الطبيعة المحيطة.
من منظور سياحي، يمثل هذا التكوين القائم على نهج التعلم التعاوني المباشر في مواقع البناء “الشانتي التشاركي” نمطاً جديداً مما يمكن تسميته “بالسياحة المعرفية والمسؤولة”، حيث لا يعود السائح أو المشارك مجرد مستهلك للمكان، بل صانع ومساهم في تشكيل هويته المعمارية.
هذا النموذج يفتح الآفاق واسعاً أمام المستثمرين في قطاع السياحة البديلة لتطوير إقامات ريفية وفنادق بيئية متكاملة تعتمد كلياً على الطين والمواد المحلية، مما يمنح التجربة السياحية العربية أصالة مفقودة وجاذبية خاصة تبحث عنها الأسواق العالمية اليوم.




