جليلة كلاعي تونس
في وقت يبحث فيه العالم عن صيغ بديلة تنقذ صناعة السياحة من نمطيتها وقوالبها الاستهلاكية الضيقة، تقدم تونس نموذجاً حياً قادراً على إعادة صياغة العلاقة بين السائح، والأرض، والموروث المحلي.
الزيارة الميدانية الأخيرة التي قادها وزير السياحة التونسي سفيان تقية إلى ولاية المنستير، برفقة والي الجهة عيسى موسى، لم تكن مجرد جولة بروتوكولية لتفقد سير العمل، بل جاءت لتكرس تحولاً استراتيجياً عميقاً يقطع مع السياحة الكلاسيكية، ويدفع نحو منظومة تنموية شاملة ترتكز على الاستدامة، وتثمين الهوية، والانتقال الرقمي والبيئي في منطقة الساحل التونسي.
يظهر هذا التوجه جلياً في مدينة “لمطة”، حيث لم يعد المسلك السياحي مجرد ممر للمشاهدة، بل تحول إلى جسر يربط الزائر بجذور الثقافة الغذائية التونسية، من خلال دعم ترشح البلدية لشبكة المدن المبدعة لليونسكو في مجال فنون الطبخ عبر منتوج “البسيسة” الضارب في القدم.
هذا الربط الذكي بين التاريخ الغذائي والجاذبية السياحية يعكس وعياً عميقاً بأن زائر اليوم لم يعد يبحث عن مجرد شواطئ وفنادق، بل عن تجارب إنسانية حية وأصيلة؛ فإدماج الموروث اللامادي في المنظومة السياحية يمنح الجهة بصمة فريدة ترفع من تنافسيتها الدولية وتخلق ديناميكية اقتصادية محلية ومستمرة لا ترتبط بالفصول.
هذا العمق الثقافي يتكامل بانسجام مع دفعة قوية نحو الجودة العالمية والأسواق الخارجية في قطاع النسيج التقليدي بـ “قصيبة المديوني”، إذ يشكل نجاح مجمع حرفي حديث التأسيس في انتزاع شهادتي الجودة الدوليتين (OCS) و(RCS)
نقطة تحول جوهرية في عقلية الإنتاج التقليدي.
إن الانتقال بالنسيج اليدوي من طابعه الفلكلوري إلى منتج مطور يحترم معايير المواد العضوية والمعاد تدويرها، يثبت أن الحرف التونسية قادرة على الصمود والتفوق في الأسواق العالمية الأكثر تطلباً، وهو ما يترجم ميدانياً رؤية الدولة في مرافقة المؤسسات الناشئة ودفعها نحو التصدير بأسلحة تجمع بين أصالة الهوية وحداثة المعايير البيئية.




