عبد الوهاب البراريـ تونس ـ السياحة العربية
حين تلتقي عراقة الجغرافيا بفتوة الأفكار، لا يعود السفر مجرد عبور عابر في المكان، بل يتحول إلى صناعة استراتيجية تعيد صياغة الهوية الاقتصادية للدول. في المشهد السياحي العربي الراهن، لم تعد المعضلة تكمن في وفرة الوجهات أو جاذبيتها الطبيعية، بل في مدى القدرة على ابتكار مصفوفة تشغيلية قادرة على تحويل الطاقات المعطلة إلى محركات إنتاجية مستدامة.
من هذا المنطلق، تبرز التجربة التونسية المعاصرة لتقدم مقاربة تحليلية عميقة تتجاوز الأنماط الكلاسيكية للتمويل، واضعةً تمكين الشباب في صدارة الأولويات السيادية للدولة، ليس بوصفه استجابة لظرفية اجتماعية، بل كركيزة أساسية لبناء نموذج سياحي بديل يتسم بالمرونة والعدالة المكانية.
إن التدقيق في الاتفاقيات الأخيرة التي أشرف عليها وزير السياحة، السيد سفيان تقية، بمشاركة البنك التونسي للتضامن ووكالة التكوين في مهن السياحة والديوان الوطني التونسي للسياحة، يكشف عن رغبة حقيقية في كسر البيروقراطية التمويلية التقليدية.
هذه الشراكة ثلاثية الأبعاد لا تستهدف تقديم قروض عابرة، بل تسعى إلى هندسة بيئة حاضنة متكاملة تبدأ من صقل المهارة المهنية وتنتهي بالتسويق الدولي، مروراً بقنوات الدعم المالي الميسر. هذا الترابط المؤسساتي يعكس نضجاً في الوعي الحكومي بضرورة توحيد جهود أجهزة الدولة لتفكيك العوائق الهيكلية التي تواجه الشركات الناشئة، وتحويل القطاع السياحي إلى قاطرة للإدماج الاقتصادي الشامل والمنصف.

ولم يكن هذا التوجه ليتخذ طابعاً عملياً لولا الاستناد إلى رصيد من النجاحات السابقة، إذ تشكل الشراكة الرائدة بين البنك التونسي للتضامن والديوان الوطني للصناعات التقليدية مرجعية ملهمة في هذا السياق.
تلك التجربة التي ركزت على إسناد قروض الأموال المتداولة للحرفيين والمؤسسات الحرفية، أثبتت نجاعتها العالية من خلال تحقيق نسب استخلاص مرتفعة للغاية، مما دحض الفكرة النمطية حول مخاطر تمويل المشاريع الشبابية.
إن دمج خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العليا في قطاع الحرف التقليدية أثبت أن المعرفة الأكاديمية عندما تلتقي بالتمويل الجريء والموجه، تنتج استقراراً مالياً وقيمة مضافة عالية، وهو ما تسعى الدولة اليوم إلى تعميمه على القطاع السياحي الأوسع كأداة لاستثمار ذكي طويل الأجل.




