تتحول مدارج المسرح الروماني بقرطاج كل صيف إلى ما يشبه محراباً كونياً، لا تقتصر وظيفته على تقديم العروض الفنية، بل تتجاوزها لتصبح عملية إعادة صياغة واعية للذاكرة الثقافية المشتركة. وحين تبلغ هذه المنارة التونسية العريقة دورتها الستين، فإننا لا نتحدث مجرد احتفالية عابرة، بل نقف أمام “يوبيل ماسي” يؤرخ لستة عقود من الريادة الثقافية في حوض البحر الأبيض المتوسط. إن الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي لعام 2026، والتي تنطلق بميزانية تناهز 3.5 مليون دينار، تأتي لتثبت أن قرطاج ليس مجرد مهرجان سياحي أو فني، بل هو منصة جيوسياسية وثقافية قادرة على تحويل الفن إلى جسر ديبلوماسي يربط الشرق بالغرب، والشمال بالجنوب، في لحظة تاريخية يحتاج فيها العالم إلى لغة إنسانية موحدة. يقدم المهرجان هذا العام قراءة تحليلية عميقة لمفهوم “العودة والاستمرارية”، حيث لم تكن برمجة عشرين سهرة فنية مجرد تجميع عشوائي للأسماء الرنانة، بل هي هندسة ثقافية دقيقة توازن بين الأصالة الطربية وحداثة الجيل الجديد. إن عودة قامات فنية كبرى مثل ماجدة الرومي وميادة الحناوي وأمينة فاخت إلى هذا الركح بالتحديد، تحمل دلالة رمزية فائقة؛ فهي تأكيد على أن مسرح قرطاج يظل صك الغفران الفني ومقياس الاعتراف الحقيقي لأي مسيرة إبداعية عربية. هذه العودة لا تخاطب الحنين إلى الماضي (النوستالجيا) فحسب، بل تعيد إحياء الأنماط الموسيقية المعقدة في مواجهة موجات التسطيح الفني، معيدةً للجمهور العربي ذائقته النقدية الرفيعة التي تشكلت تاريخياً على هذه المدرجات بالذات. بالموازاة مع هذا الإرث العربي، تتجلى في هذه الدورة استراتيجية الانفتاح العالمي بشكل غير مسبوق من خلال استضافات تسجل للمرة الأولى في تاريخ المهرجان. إن صعود فرقة عالمية ذات ثقل تاريخي مثل “The Jacksons” [1.2.7، 1.3.5]، أو الانفتاح على الروحانيات الكونية مع سامي يوسف، إلى جانب حضور الأوركسترا الإيطالية العريقة “Rondò Veneziano” والفلامنكو الإسباني، يعكس رؤية تونس السياحية والثقافية القائمة على التعددية. المهرجان هنا لا يستورد ثقافة الآخر، بل يدخل معها في حوارية إبداعية، متكئاً على سينوغرافيا بصرية مستوحاة من ألوان المتوسط بريشة رفيق غربال، مما يحول الفضاء المكاني إلى لوحة حية تجمع بين التاريخ الفينيقي والرؤية المعاصرة. لا تغفل هذه النسخة الستينية المسألة الوطنية، بل تجعل من الهوية التونسية العمود الفقري للمهرجان، محولةً الفن إلى أداة تضامن اجتماعي وسياسي. فمن خلال سهرات نوعية مثل “سمفونيات 60” للأوركستر السمفوني التونسي، أو عرض “وطن في حب العاشقين” في ذكرى عيد الجمهورية، يتجاوز المهرجان البعد الترفيهي ليصبح منصة للاحتفاء بالسيادة والذاكرة الوطنية. وتكتمل هذه الرؤية الإنسانية العميقة بالبعد الخيري من خلال السهرة المخصصة لدعم مرضى السرطان، مما يؤكد أن قرطاج يملك وعياً مجتمعياً حياً. إن هذا المزيج بين عراقة الطرب، وجرأة الاستضافات العالمية، والالتزام الإنساني، يجعل من مهرجان قرطاج الدولي في نسخته الحالية ليس مجرد وجهة سياحية رائدة في قلب تونس، بل نموذجاً ملهماً لكيفية إدارة الموروث الثقافي وتحويله إلى طاقة متجددة تصنع المستقبل.
إذا كنت تخطط لزيارة تونس هذا الصيف، فهل تود معرفة أفضل الفنادق وأماكن الإقامة القريبة من المسرح الروماني بقرطاج، أم ترغب في الحصول على برنامج سياحي متكامل يجمع بين حضور سهرات المهرجان واستكشاف المواقع الأثرية المحيطة به؟