آخر الأخبار

سوسة بوصفها مدينة عالمية للتعلّم: حين تتكئ “جوهرة الساحل” على إرثها الحضاري لتصنع معجزة المعرفة المستدامة

شارك

وكالة إحياء التّراث والتّنمية الثّقافية تونس
جليلة كلاعي

تخيل مدينةً لا تنام إلا على صخب أمواج المتوسط، ولا تستيقظ إلا على تراتيل التاريخ المنبعثة من أسوار مدينتها العتيقة، ثم تخيلها فجأة وهي تتحول، بكامل ثقلها الجغرافي والإنساني، إلى مدرسة مفتوحة لا جدران لها، يتبادل فيها المارّة المعرفة كما يتبادلون التحايا.
هذه ليست يوتوبيا متخيلة، بل هي السيرة الجديدة التي خطتها مدينة سوسة التونسية وهي تنتزع اعترافاً دولياً رفيعاً من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) بانضمامها الرسمي إلى الشبكة العالمية لمدن التعلّم.
إن هذا التتويج الأممي ليس مجرد شهادة فخرية تُعلق على جدران البلدية، بل هو زلزال إيجابي في فلسفة إدارة المجال الإقليمي، وإعلان صريح عن ولادة قطب معرفي يربط الحفاظ على الهوية التراثية بالاستجابة لمتطلبات القرن الحادي والعشرين، واضعاً تونس، إلى جانب شقيقتها نابل، في قلب الخارطة المعرفية لـ 425 مدينة عالمية تتوزع على 91 دولة، لتثبت “جوهرة الساحل” أن العمق التاريخي هو المحرك الأساسي لابتكار المستقبل.

إن الدخول إلى هذا النادي العالمي لم يكن وليد الصدفة أو المجاملات الدبلوماسية، بل هو قراءة تحليلية واعية لنقاط القوة التي تختزنها سوسة في تضاعيف بنيتها الاجتماعية والثقافية. فالمدينة التي تُصنف مدينتها العتيقة تراثاً إنسانياً عالمياً، لم تتعامل مع معالمها التاريخية كمتاحف جامدة للفرجة، بل حوّلتها إلى فضاءات حية للتعلم والتفاعل الإنساني.
هذا الرصيد الحضاري توازى مع حركية أكاديمية وجامعية هائلة، وحضور لافت لنسيج جمعياتي مدني يمتلك من الوعي ما يجعله شريكاً أساسياً في الحوكمة المحلية وليس مجرد مراقب لها.
ومن هنا، فهمت بلدية سوسة، تحت قيادة رئيسها مراد بن سالم، أن نجاح المدن المعاصرة لم يعد يُقاس بمؤشرات الأسمنت والحديد فحسب، بل بقدرتها على تشبيك العلاقات بين الهياكل العمومية والمجتمع المدني، لتوليد طاقة مجتمعية قادرة على مواجهة تحديات البطالة والتنمية عبر نافذة التكوين المهني المستمر والتعليم البديل المفتوح الذي يتجاوز الأطر الأكاديمية التقليدية ليمتد إلى المقاهي، الساحات، والمكتبات العامة.
ويتجلى هذا العمق التحليلي في حزمة المشاريع الميدانية الجريئة التي قدمتها البلدية كضمانات حية لملف ترشحها، والتي تُظهر كيف يمكن للمدن أن تصالح بين الماضي والمستقبل، فلعل إعادة إحياء وترميم معهد “باب جديد” التاريخي، المغلق منذ أكثر من ثلاثة عقود والذي يعود تأسيسه لعام 1896، برصد ميزانية ضخمة تناهز خمسة ملايين دينار وتحويله إلى مركز ثقافي متعدد الاختصاصات مجهز بأحدث التقنيات الرقمية، يُعد تجسيداً صارخاً لسياسة “تثمين الأنقاض وتحويلها إلى منارات معرفية” تشرف عليها الكفاءات المعمارية التونسية كأشغال انطلقت في خريف 2025.
وفي ذات السياق التنموي الإدماجي، برز مشروع “Femmedina” لإعادة تأهيل حي “ڨابادجي” التاريخي، كخطوة رائدة تُعيد صياغة الفضاء العام من منظور جندري تشاركي، حيث قادت النساء، اللواتي يمثلن 18.9% من النسيج التجاري هناك، عملية هندسة وتطوير مداخل الحي وساحاته وأسواقه، بما يضمن تكافؤ الفرص في التعلم والتمكين الاقتصادي.
هذا التوجه الميداني تعزز بالمرحلة الثانية من مخطط المحافظة على المدينة العتيقة بالشراكة مع المعهد الوطني للتراث، ليتكامل المشهد مع تهيئة حدائق عمومية كبرى كحديقة بوجعفر وروضة الشاعر، لتعمل كلها كأوعية جغرافية تحتضن الأنشطة الثقافية والتعليمية في الهواء الطلق.

أما الذروة الفلسفية لهذه الرؤية الحضرية، فتمثلت في تبني سوسة لمفهوم “مدينة الـ 15 دقيقة”، وهو النموذج العالمي المبتكر الذي يعيد تعريف “الوصول العادل للخدمات”. فالفكرة هنا ليست مجرد تقليص للمسافات، بل هي إعادة توزيع ديمقراطي لفرص الحياة، حيث تهدف البلدية إلى جعل كل مواطن، بغض النظر عن موقعه الاجتماعي، قادراً على بلوغ مدرسته، أو مركز تدريبه، أو فضاءه الثقافي والصحي، في زمن لا يتعدى ربع ساعة سيراً على الأقدام.
هذا المفهوم الذكي يحقق إدماجاً اجتماعياً حقيقياً، ويقلل من التلوث، ويحوّل الأحياء السكنية المتباعدة إلى خلايا معرفية متجانسة ومتكاملة، مما يمهد الطريق لترسيخ “اقتصاد المعرفة” وتحسين جودة الحياة اليومية للسكان بشكل ملموس ومستدام.

إن العائد الاستراتيجي الذي ستجنيه سوسة من هذه العضوية الأممية يتجاوز الأبعاد الرمزية إلى آفاق عملية غير محدودة، فالعضوية تفتح لجوهرة الساحل قنوات اتصال مباشرة للاستفادة من برامج الدعم الفني والمواكبة الاستشارية لليونسكو، وتتيح لنخبها ومسؤوليها المشاركة في المؤتمرات الدولية لتبادل الممارسات الفضلى مع حواضر عالمية كبرى تشاركها نفس الهموم التنموية، كمدن المملكة العربية السعودية الثماني المعتمدة وعلى رأسها الجبيل الصناعية، أو الحواضر المغربية والمصرية والقطرية والإماراتية التي قطعت أشواطاً في هذا المجال.
هذا الانفتاح الدولي سيعزز بلا شك الجاذبية السياحية والاستثمارية للمدينة كقطب إقليمي للابتكار، ويسهل صياغة سياسات محلية متطورة قادرة على استقطاب تمويلات وشراكات دولية عابرة للحدود لتنفيذ مشاريع تعليمية ورقمية مشتركة.

وفي المحصلة، فإن هذا الإنجاز التاريخي لا يمثل نقطة وصول، بل هو نقطة انطلاق لخارطة طريق طموحة تستشرف بها سوسة سنواتها القادمة. حيث ينتظر المدينة عمل دؤوب لمأسسة هذه التجربة عبر صياغة استراتيجية محلية متكاملة لـ “مدينة التعلم”، وتوسيع شبكة مراكز التعلم المجتمعي في سائر الأحياء، بالتوازي مع تسريع وتيرة التحول الرقمي والتعليم الافتراضي.


إن الرهان القادم لبلدية سوسة والجامعات التونسية والمؤسسات الدولية الشريكة، يكمن في تحويل الابتكار الاجتماعي إلى سلوك يومي، ودعم ريادة الأعمال الشبابية لخلق فرص عمل حقيقية تلائم وظائف المستقبل، لتظل سوسة كما كانت دوماً عبر العصور، منارة متوسطية ملهمة، تثبت للعالم أن الحفاظ على أصالة التراث ليس عائقاً أمام الحداثة، بل هو الجسر الأقوى والأنقى للعبور نحو مجتمع المعرفة المستدامة ورفاهية الإنسان.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *