عبد الوهاب البراري... تونس
تربّعت على ضفاف نهر مجردة في الشّمال الغربي من الوطن الأخضر، وطن القائد القرطاجي حنّبعل أرض شاعر الثّورة والشباب أبو القاسم الشّابي، تيكيلا القديمة أو لنقل تستور التّونسية، مدينة الجمال والفنّ والتّاريخ، غجريّة من زمن أفروديت إلهة الحبّ والجمال، فاتنة بجمال حسناوات اشبيلية وبعيون فتيات غرناطة الأندلسيّة.


مدينة لا يفصلها عن العاصمة التونسيّة سوى 76 كيلومتر وغير بعيد من مدن أخرى كمدينة باجة وجندوبة وسليانة. أمّا الحديث عن معالم المدينة فيمكن اختزاله في الجامع الكبير الّذي يتوسّط المدينة، جامع بناه محمّد تغرينو الثّغري وهو مسلم أندلسي سنة 1630. يتميّز محراب الجامع بطراز غريب من الفنّ المعماري المسيحي وكلّ النّماذج المستعملة فيه مقتبسة من فنّ النّهضة الايطاليّة والاسبانيّة. تعلو صومعة الجامع الكبير ساعة غريبة ونجمة سداسيّة أثارت الكثير من الجدل حولها، فالبعض يرى في ذلك علامة تسامح وتواصل بين المسلمين والمسيحيين واليهود الى اليوم، في حين يرى البعض الاخر غير ذلك. ومهما يكن من أمر فالصّومعة لا تزال قائمة بجميع مكوّناتها السّابقة الذّكر. زيادة على ذلك تعتبر صومعة جامع تستور فريدة في تصميمها، فشكلها مخروط وهي مبنيّة على قاعدة مربّعة مثلما هو الحال في الكنائس بمدينة غرناطة الأن. وتحمل الأعمدة الموجودة داخل الجامع الكبير تيجانا يهوديّة، الشيء الّذي يفتح الجدل حول هذا التنوّع على مصراعيه بين معارض وقابل لهذا الائتلاف الثّلاثي.
السّاعة الّتي تدور بعكس الزّمن. لم يكن الجامع الكبير وحده موضوع جدل بين مؤيّد ورافض بل انّ ساعته الغريبة التي تعلو صومعته زادت من شعلة هذا الجدل بسبب دوران عقاربها، ولعلّها الساعة الّتي شذّت على القاعدة، فأرقامها وعقاربها مبرمجة من اليمين الى اليسار. ولعلّ التّفسير الوحيد الّذي وجدناه وفق الرّوايات الشعبيّة يذهب الى أنّ أهل تستور يرون أنّ الأمر يعود الى كون الأندلسيين كلّما أجادوا عملا عمدوا الى تشويه جانب منه ردّا للعين والحسد، وقد يكون الأمر يحمل في طيّاته أيضا حنينا الى الماضي ورغبة بالرّجوع بعقارب السّاعة الى ذكريات من زمن قشتالة وغرناطة. وقد ظلّت عقارب تلك السّاعة صامتة مدّة ثلاثة قرون ولم تستأنف دورانها الاّ سنة 2016. لا نستطيع مواصلة رحلتنا في تاريخ تستور دون المرور بتلك البطحاء(السّاحة) المحاذية للجامع الكبير فقد كان لها دور هامّ في حياة أهل المدينة، فبعدما كانت مسرحا لمصارعة الثّيران تحوّلت بعد عقود من الزّمن الى مركز اقتصاديّ يعرض فيه التّستوريّون سلعهم صباحا لتتحوّل الساحة الى مكان للرّاحة واللّقاءات في المساء.
الموروث العمراني والثّقافي لتستور. لم يحمل الموريسكيّون خلال عودتهم الى تونس موروثا ثقافيّا فقط بل عادوا محمّلين بإرث غرناطة المعماري وثقافة غذائيّة بامتياز. وقد ظهر ذلك في أطباقهم الشّهيّة الّتي حافظوا عليها الى يوم النّاس هذا. منها البناضج وهي عبارة عن عجين محشوّ باللّحم شبيه بالسّموزا الباكستانيّة، وكذلك الكيسالس الشبيهة بالبيزا الإيطالية. لو أردنا أن نأتي على ما يميّز تستور عن باقي المدن التّونسية فقد نحتاج الى وقت طويل جدّا لتأمين ذلك ومجلّدات لتدوينه، لكنّنا سنختم رحلتنا بالمالوف, تلك الموسيقى الحالمة وذلك الفنّ الأندلسي الأصيل الّي يختزل حنين المورسكيين الى الأندلس, أغنيات من الزّمن الجميل لا تزال محفورة في ذاكرة تستور وأهلها, توارثوها أبا عن جدّ حتّى أنهم خصّصوا لها مهرجانا يربطهم بتراث لا يزال حيّا في وجدانهم يحكي أفراحهم وحنينهم الى الأندلس, هو ماض يتنفّسه التستوريّون وحاضرا يزرعونه في ذاكرة أجيالهم جيلا بعد جيل.





تبصرے
ابھی کوئی تبصرہ نہیں۔