عبد الوهاب البراري ـ تونس السياحة العربية
هل يمكن لليلة واحدة أن تعيد رسم الخارطة الاقتصادية لمدينة تاريخية بأكملها؟ حين تقف القيروان شامخة أمام ثمانين ألف زائر تحتفي بنور النبوة وعراقة التاريخ، تدرك أن السياحة الدينية والثقافية ليست مجرد تراث يُستذكر، بل هي شريان حياة يتدفق في مفاصل الاقتصاد المحلي.


تبدأ ملامح هذه الرؤية من جامع عقبة بن نافع، حيث يمتزج الموكب الديني بروحانية المكان ليعلن انطلاق موسم سياحي استثنائي تجاوزت مفاعيله الجانب الروحي لتلقي بظلالها على المشهد التجاري والخدماتي في الولاية.


ولأن البنية التحتية والمحيط البيئي هما حجر الأساس لأي استراتيجية سياحية ناجحة، جاء الإجراء التشغيلي المتمثل في رصد اعتمادات إضافية بقيمة 1.162 مليون دينار لفائدة بلدية القيروان ليؤكد وعي الدولة بضرورة المزاوجة بين الجذب السياحي والاستدامة البيئية. هذا التمويل المتأتي من صندوق حماية المناطق السياحية يمثل استثماراً ذكياً في "جمالية المكان"، فالعناية بالنظافة وتوفير المحيط اللائق ليس ترفاً، بل هو الضامن الأول لتقديم تجربة إيجابية للزائر تعزز رغبته في العودة وتطيل فترة إقامته. إنها خطوة هيكلية تهدف إلى جعل القيروان بيئة جاذبة ومريحة للمواطنين والضيوف على حد سواء، مما يرفع من تصنيفها كوجهة متميزة في سياحة المدن.

هذا العمق التحليلي يتجلى بوضوح أكبر عند الالتفات إلى المعرض الوطني للصناعات التقليدية في دورته السابعة، والذي احتضنه المركب الثقافي «أسد بن الفرات». فمشاركة 104 حرفيات وحرفيين يمثلون 21 ولاية تعكس دور القيروان التاريخي كمركز وطني للتبادل التجاري والابداع اليدوي. هذا المعرض ليس مجرد فضاء للعرض، بل هو منصة اقتصادية حية تدعم الاقتصاد التضامني والاجتماعي، وتمنح صغار المنتجين فرصة ذهبية لتسويق منتجاتهم مباشرة إلى الجمهور في ذروة الموسم السياحي.

وفي ختام هذه الجولة الاستراتيجية، تبرز معاينة الوزير للإقامات العائلية بالمدينة العتيقة والمشاريع الحرفية للمنتوجات الغذائية المحلية كإشارة قوية نحو التوجه المستقبلي لوزارة السياحة التونسي: الاستثمار في "السياحة البديلة". فالإقامات العائلية تمنح الزائر تجربة إنسانية وثقافية أصيلة تختلف عن الفنادق الكلاسيكية، وتسمح للعائلات القيروانية بالاندماج المباشر في الدورة الاقتصادية السياحية والاستفادة من عائداتها. إن تشجيع هذه المؤسسات الناشئة والمختصة في تثمين المنتوج المحلي هو السبيل الأمثل لخلق نمط سياحي مستدام يحافظ على أصالة المدينة العتيقة ويجعل من القيروان نموذجاً يحتذى به في التنمية السياحية الشاملة.





تبصرے
ابھی کوئی تبصرہ نہیں۔