جليلة كلاعي تونس
حين تلتقي تلال عمان السبعة بعبق التاريخ السينمائي الممتد من قرطاج، تولد على أرض الأردن منصة استثنائية لا تكتفي بعرض الفن، بل تصنع مستقبله

في عمق هذا المشهد البارد والذكي، يبرز الحضور التونسي هذا العام ليس كظاهرة عابرة، بل كمحور ارتكاز فكري وفني وثقافي صاغ ملامح لجان التحكيم والفعاليات الموازية. إن اختيار النجمة هند صبري لعضوية لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية العربية الطويلة، يمثل قيمة مضافة بالغة الأهمية، فهذه الفنانة التي انطلقت من تونس لتصبح رقماً صعباً في السينما العربية، تمتلك عيناً نقدية قادرة على فرز الغث من السمين، وقراءة الأبعاد السيكولوجية والاجتماعية في السيناريوهات الروائية. وفي المقابل، يأتي تعيين المخرج السينمائي مهدي البرصاوي ضمن اللجنة المهنية لأيام عمان لصناع الأفلام ليؤكد على الرؤية الأكاديمية والعملية للمهرجان، حيث يُنتظر من البرصاوي، الذي عرفت أعماله بالعمق الفلسفي والجرأة البنائية، أن يقدم رؤية ثاقبة في دعم وتقييم المشاريع السينمائية الطموحة التي تزال في طور التطوير أو ما بعد الإنتاج، مما يسهم في دفع عجلة الإنتاج المستقل في المنطقة العربية.
هذا الحضور التونسي المكثف في أروقة التحكيم يتناغم بشكل عضوي مع الإعلان الفني الكبير الذي جعل من السينما التونسية ضيف شرف هذه الدورة. إن افتتاح المهرجان بفيلم "صوفيا" للمخرج ظافر العابدين ليس مجرد احتفاء بالأسماء، بل هو اعتراف صريح بالقفزة النوعية والجمالية التي تشهدها السينما في تونس، وقدرتها على تفكيك القضايا المعاصرة بلغة بصرية عالمية. ولا يتوقف الاحتفاء عند عتبات الافتتاح، بل يمتد عبر برنامج تكريمي خاص يعيد عرض ستة من كلاسيكيات السينما التونسية التي تركت أثراً لا يُمحى في الوجدان العربي، مما يتيح لجمهور المهرجان وصناع الأفلام الشباب فرصة نادرة لمعاينة الجذور الإبداعية لمدرسة سينمائية تميزت دائماً بالتمرد على السائد، والبحث المستمر عن الهوية في تفاصيل الحياة اليومية.
تتجاوز الدورة السابعة لمهرجان عمان السينمائي حدود الاحتفالية والمهرجانية لتتحول إلى مختبر حقيقي للنقد والتحليل وصناعة الأفكار. إن التفاعل الحيوي بين الأسماء التونسية الوازنة في لجان التحكيم، وبين صناع الأفلام القادمين من شتى أقطار الوطن العربي، يخلق مساحة ممتدة من الحوار الفكري الذي تحتاجه السينما العربية المعاصرة للخروج من قوالبها التقليدية.






تبصرے
ابھی کوئی تبصرہ نہیں۔