عبدالوهّاب البراري.ـ تونس
ساقنا قطار اللّيل متّجها الى الجنوب التّونسي، وظلّ زئير محرّكاته يشقّ سكون اللّيل البارد بين العاصمة ومدينة قابس مسكن الصّحابي الجليل أبي لبابة الأنصاري...





ما كان لهذا اللّقاء الموسمي أن يتحقّق، وما كانت لهذه اللّمّة أن تعيش درتها الحادية عشر لولا صدق أهل القُلعة وايمانهم أنّ لهذه الأرض وساكنيها حقّ تاريخيّ عليهم... رجال لا يهدأ لهم بال ولا حركة ولا تعوقهم التزامات عائلية عن تأمين كلّ ما أوكل لهم من مسؤوليات دقيقة... سيدي أحمد بالرّابح على كرسيّه المتحرّك تحدّى كلّ شيء من حوله فكان حاضرا على امتداد تاريخ اللّمّة، يواكب كلّ الفقرات فلا يكتفي بالحضور فقط، بل ينصح ويوجه، ابتسامة لا تفارقه أينما حلّ والجميع يبجلونه ويعترفون بدوره ويصغون الى كل ملاحظاته، يتقبل تحيّات كل من مرّ من أمام خيمته فيردّها بابتسامته المعهودة... السيد فتحي بن عون ورفيقه السيد فوزي بالغيث ومدير المهرجان السيد عادل بن سالم، حركة دائمة برغم الشيب الذي غزا الرأس يدونون أغلب فقرات المهرجان، لا يهدأ لهم بال ولا تنفذ لهم طاقة يساهمون في كل شاردة وواردة... السيد سالم الغريبي من وراء نظارته يراقب كل ركن في ساحة المهرجان يسهر على راحة الحاضرين والعارضين لمنتجاتهم التقليديّة تحت خيام المعرض يوفر لهم ما يؤمن راحتهم... إبداع فني من السيد فتحي الدّباك من خلال ملحمة الخلال، عمل درامي أمام حاضرين تجاوز عددهم الخمسة آلاف يتابعون تلك الملحمة المسرحيّة في هدوء ارتقى وتماشى مع رسائل ذلك العمل، مشاهدون لا يتوانون عن التصفيق كلّما دعا الأمر لذلك والاصغاء لإبداعات الممثلين وكأنهم محترفون قد تخرجوا منذ زمن عميد المسرح التونسي الراحل علي بن عيّاد. وجوه بقيت محفورة في ذاكرة الحاضرين وربوة اقترنت بهذه التظاهرة فأصبحت مسرحا للّمة، مسرح لم ترثه القرية عن الرّومان ولم تشيده سواعدٌ ولكنه مكان سجّل نفسه في حياة أهل هذه القرية الفريدة بساكنيها وتقاليدهم، قرية آمن رجالها ونساؤها وشبابها بقدرهم وقدراتهم، جعلوا من النجاح هدفا ومن العمل الصادق أسلوبا ومن التعاون ميثاقا فكانت اللّمة ولاتزال.
في القُلْعة، قَلعةُ التراث والصمود لا تقاس الأعمار بالسنين بل بمدى ما يحمله المسن في وجدان الجماعة، كبار السن ليسوا مجرّد مشايخ بعدد السنوات الطويلة بل هم هويّة الأرض وبوصلة الأخلاق. في تجاعيد يدي أحدهم تاريخ عمله وكدّه في واحات النخيل، هو الرابط الروحي الذي ينحت طريق المجتمع من حوله، لكل هذا وغيره تسعى القلعة وجمعيّة رفق لإحياء التراث الثقافي والعناية بالمسنين لإنزالهم مكانا يليق بهم وتكريمهم ليس منّة من أحد، حكمتهم ثروة حقيقيّة لا تنضب، فلا غرابة أن يتصدروا ساحة المهرجان وكلّهم هيبة ووقار. غير بعيد عن مشايخ القرية من الرجال، موكب النّسوة حرائر ملتحفات بلباس تقليديّ محتشم تعودن على ارتدائه في مناسبات الفرح والاعراس ومواعيد اللّمة، تتوسط هذا الموكب الحاجة عائشة بنت أحمد، أكبر معمّرة في القرية بسنواتها المائة وثلاث (103)، لم يؤثر فيها قرن من الزّمن ويزيد، بريق عينيها يخلد حياة مليئة بتجاربها، تجاعيد وجهها لا تبوح بسنوات عمرها، وحديثها عن تاريخ القلعة لم تخالطه آفة النسيان تروي لك عن الأرض والواحة فتقول بصوت خافت: هناك كان يعيش الحاج مبارك، وهنا كنّا نصحب أطفالنا لكتّاب القرية، اختفى الكتّاب وبقيت سور القرآن محفوظة في ذاكرة شباب الأمس ومشايخ اليوم...
يا ولدي من لم يؤثث امسه لم ينعم بحاضره فلا يأمل من غده شيئا، لذلك ها نحن هنا ننعم بيومنا ونعيش أفراحنا، مغروسون في هذه الأرض كنخيل الواحة، نرتوي من مائها ونطعم من ثمارها رجالنا وذرارينا... تتحلق بعض صبايا القُلعة حول الحاجة عائشة ويسافر بهن الخيال الى زمن أجدادٍ لم يعشنه ولكنهن يفتخرن بأنّهن وريثات لبعض من ذلك الماضي... تتوقف عدساتنا عن العمل فنتابع سرد الحاجة لتاريخ القرية وتغفل أقلامنا عن تدوين ما يتهادى لأسماعنا من ذاكرة الماضي ومن حكايات الواحة. تلك هي القُلعة وتلك هي اللّمة وأولئك أهلها.





التعليقات
لا توجد تعليقات بعد.