آخر الأخبار

شريان الماء وذاكرة الطين: “طريق مجردة” يعيد صياغة الجغرافيا السياحية في الشمال الغربي التونسي

شارك

 

جليلة كلاعي تونس

حين تتدفق مياه وادي مجردة من مرتفعات الشمال الغربي التونسي لتصب في زرقة المتوسط، فإنها لا تقطع مجرد مسافة جغرافية، بل تختزل قروناً من الحضارات المتعاقبة التي تركت بصماتها على ضفاف هذا الشريان الواهب للحياة.

وعلى الرغم من هذا الزخم الاستثنائي الذي يجمع بين طيات الطبيعة الخضراء وأطلال المدن الرومانية والأندلسية، عانت المنطقة طويلاً من تشتت جهود فاعليها ومحدودية المبادرات المحلية القادرة على تحويل هذا الإرث الفسيح إلى وجهة سياحية متكاملة ومستدامة.

من هذا المأزق التنموي والثقافي، نبتت فكرة مشروع “طريق مجردة: Via Bagrada”، كمبادرة رائدة تقودها جمعية Museum Lab منذ تأسيس فرعها الجهوي بالكاف عام 2020. المشروع لا يقف عند حدود التعريف التراثي التقليدي، بل يتخذ من الماء عنصراً جامعاً لهوية ثقافية وطبيعية متعددة الأبعاد، ممتداً على كامل الولايات التي يعبرها النهر من باجة وجندوبة وسليانة وصولاً إلى منوبة وبنزرت، ليعيد صياغة السياحة البديلة وفق مقاربة تشاركية عميقة.

 

تتجلى الفلسفة العميقة لـ “طريق مجردة” في كونه لا يكتفي بإبراز المبادرات القائمة، بل يسعى لتأسيس بنية تحتية فكرية وحوكمة مشتركة تربط المجتمع المدني بالجماعات المحلية والقطاعين العام والخاص. وقد قطعت هذه الديناميكية خطوة مفصلية خلال اللقاء الميداني المنعقد في الرابع والعشرين من سبتمبر لعام 2026، والذي جمع نحو ثلاثين جمعية وفاعلاً ثقافياً محلياً استجابوا لنداء التشبيك.

ولم يكن اللقاء مجرد حوار نظري، بل كان منصة حيوية لتمكين المشاركين من آليات دقيقة لمتابعة أنشطتهم استناداً إلى مؤشرات قيس واضحة، كحجم تدفق الزوار، والمردود الاقتصادي التضامني، والحضور الإعلامي، ومتانة الشراكات المبرمة.

هذا التأسيس المنهجي صُمم خصيصاً لتهيئة الظروف قبل الإطلاق الرسمي للشبكة الترابية، بهدف صياغة استراتيجية ثقافية بعيدة المدى تضمن نقل المعارف والمهارات التقليدية للأجيال القادمة وتعزيز حضور المنطقة في المحافل الوطنية والدولية.

 

هذا البناء الهيكلي يترجم سياحياً وثقافياً على أرض الواقع خلال الدورة الثانية للمشروع، الممتدة من الثاني إلى الرابع من أكتوبر لعام 2026، حيث تتحول مدن تستور وتبرسق والسلوقية إلى مسرح حي يدمج التاريخ بالبيئة وفنون العيش.

تتوزع الفعاليات عبر أربعة مسالك مصممة بعناية لتجاوز فكرة السياحة العابرة نحو سياحة التجربة والاندماج؛ إذ يتيح المسلك الأول في تستور اكتشاف معالم المدينة العتيقة بهويتها الأندلسية العريقة وفندق ابن زيدون، بينما يربط المسلك الثاني في تبرسق بين أشجار الزيتون المعمرة والمعاصر التقليدية ضمن نمط “سياحة الزيتون” (oléotourisme) وصولاً إلى موقعي دقة وعين تونقة الأثريين.

وفي السلوقية، ينفتح المسار على الفلاحة الإيكولوجية وسياحة الكروم عبر زيارة مجال “شدرابا”. وتكتمل التجربة الإنسانية بمسلك المذاق الذي يحتضنه سوق المنتجات المحلية في مقهى أندلس بتستور، وموائد الضيافة المشتركة في “دار بسيد”، حيث يلتقي الزائر بالطهي الأصلي والمهارات المتوارثة لأهل الأرض.

 

ولأن الثقافة شريك أساسي في التنمية ورفع الوعي، تتميز البرمجة ببعد تفاعلي وفني رفيع يجمع بين الابتكار المعاصر والقضايا البيئية الملحة، مدعوماً بشراكات استراتيجية دولية ووطنية.

ويبرز في هذا السياق عرض فنون السيرك بالتعاون مع المسرح الوطني التونسي، إلى جانب معرض للتصوير الفوتوغرافي التراثي وعروض لأفلام تتناول التحديات البيئية بالتنسيق مع المعهد الفرنسي بتونس ومعهد غوته الألماني.

وتتجسد الاستدامة الإيكولوجية للمشروع في تخصيص يوم مهني رفيع المستوى لمناقشة جودة الموارد المائية لنهر مجردة، بالتوازي مع ورشات موجهة للأطفال حول الفرز والحد من النفايات وإعادة التدوير، وورشات تفاعلية لتذوق الأجبان مع “لا كازا ديل فورماجيو” وصناعة مربى الرمان مع “رميمينة”.

إن هذا التلاحم المتين بين المؤسسات الوطنية والجهوية كوكالة إحياء التراث ومركز تونس الدولي للاقتصاد الرقمي والجامعة التونسية لمهن السياحة ومندوبية الثقافة بباجة، يثبت أن “طريق مجردة” قد نجح في تحويل النهر من مجرد مجرى مائي إلى شريان حيوي تتلاقى فيه الثقافة والبيئة لتصنع مستقبلاً تنموياً واعداً للشمال الغربي التونسي.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *