بقلم: د. عبدالله البطيان
من قلب الأحساء وعمق المنطقة الشرقية، تحركنا نحمل في أفئدتنا شرف الكلمة ورسالة الوطن. لم تكن باريس مجرد محطة في تقويم الأيام، بل كانت ساحةً للرهان الثقافي الكبير؛ حيث حملتُ لباسي الأبيض بزيي السعودي، متوشحاً بكامل عطايا القيم الإنسانية الاستثنائية العليا، أصعد ثلاثين استعلاءً ككاتب، وشاعر، وروائي، ووكيل أدبي يمثل المبدعين السعوديين والملتقى الدولي للكتاب العربي في نسخته الثالثة بالمدينة العلمية وعاصمة النور.

في أكتوبر ٢٠٢٦م، وفي أوج اضطراب حركة الطيران العالمية وإلغاء الرحلات المباشرة، لم يثنِ التحدي عزمنا. تشكلنا في فريق المنطقة الشرقية—الذي يضم المفكر والفنان التشكيلي الأستاذ أحمد بن عبدالله العبدالنبي، والكاتب الروائي الأستاذ رضي بن منصور العسيف—بينما انتظرنا التلاحم مع فريق الرياض الجميل—الشاعرة والروائية الأستاذة إلهام بنت محمد حسن بكر، والكاتب والشاعر الأستاذ عبدالمحسن بن محمد الضيف. ومن مطار حمد الدولي بالدوحة، صنعت الإرادة طريقها نحو باريس، لنفتتح الملتقى يوم السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦م وفق الموعد والعهد.
كان التنسيق الفاخر مع سعادة الدكتور علي المرعبي—رئيس تحرير مجلة ودار وكالة إعلام “كل العرب” ورئيس مجلس الملتقى—بمثابة المرفأ الأول، حيث أحاطنا بكريم اهتمامه، وكان الاستقبال الأسر من الأستاذ محمد عوض والسائق فتحي، ليجمعنا أول عيش وملح على مائدة يمنية دافئة وشاي نعناع فاخر أنسانا وعثاء السفر، قبل أن ننزل بالمدينة الجامعية بمساعدة الأستاذ محمد الأسباط وطالبتين جزائريتين ضربتا أروع أمثلة التعاضد العربي.

وعلى الرغم من المظاهرات، ومشاهد التكسير، والتخريب، وأجواء الصخب والدمار التي شهدتها شوارع باريس في تلك الأيام، إلا أن وفد الأدباء السعوديين وقف كمنارةٍ للإيجابية والسلام؛ ينشر الجمال ويرسم المظهر الإنساني اللائق بالثقافة السعودية والروح العربية الأصيلة.
جاء يوم الأحد ١٨ أكتوبر لينطلق البرنامج الفكري بنشوة حرف “الحاء” في ندوة الأستاذ أحمد العبدالنبي عن الحب والجمال للغة العربية، وتوقيع إصداره “غدنة الفكر”.

وتلاه يوم الاثنين ١٩ أكتوبر بالزخم الأكبر؛ حيث أطل الأستاذ رضي العسيف بـ “حكايا من نبض الحياة” متكئاً على حرف “الألف” وتوقيع كتابه “جواهر من نبض الحياة”.
ثم جاءت مشاركتي في القيم الإنسانية الاستثنائية العليا عبر حرف “القاف”، محققاً زهواً ذهنياً ونفسياً افتتحتُ به توقيع كتابيَّ “حافة النهر صعوداً” و”أنين فراشة”، مع استعراض مؤلفاتي التي تجاوزت الخمسين كتاباً والمترجمة إلى ثلاث لغات عالمية (الفرنسية، الفارسية، والأوردية).

ولم تكتمل دهشة الحضور إلا حين انساب الشعر العمودي الفصيح بصوتي في نصي “اعتراف اليونسكو” و”صنيعة الفلاح”، ليغير منهج الإلقاء المعتاد بالملتقى ويأسر الألباب بإحساسٍ بالغ التأثير.
كما حرصنا في وكالة البطيان الأدبية على تقديم سيرة وحضور فريق الرياض الذي تعذر وصوله، فاستحضرنا روعة رواية “أسرار الجواري” للأستاذة إلهام بكر، وعمق “وحي مشاعري” للأستاذ عبدالمحسن الضيف وسط إنصاتٍ وانبهارٍ واسعين بوجود ملخص تعريفي عن سيرتهما.



