آخر الأخبار

مدينة دقة التونسيّة في سجل اليونسكو: حكاية أول عاصمة لشمال إفريقيا القديم

شارك

جليلة كلاعي ـ تونس

لطالما ارتبط اسم “سيرتا” بلقب عاصمة مملكة نوميديا، لكن البحث التاريخي وتصنيفات منظمة اليونسكو تسلط الضوء على فصل أقدم وأكثر سحراً في تاريخ الشمال الإفريقي؛ إنها مدينة “دقة” الرابضة في شمال غرب تونس، والتي تُعد العاصمة الأولى لهذه المملكة العريقة قبل أن تنتقل السيادة المركزية إلى غيرها.

وتؤكد منظمة اليونسكو، التي أدرجت المدينة على قائمة التراث العالمي منذ عام 1997، أن دقة لم تكن مجرد مدينة رومانية عابرة، بل كانت مركزاً سياسياً واقتصادياً حيوياً للنوميديين، حيث كانت مقراً للحكم في قلب أراضٍ خصبة جعلتها مطمعاً للقوى الكبرى في العالم القديم.

وما يميز دقة عن غيرها من المواقع الأثرية هو احتفاظها بهويتها الأصيلة المتجذرة في التاريخ؛ فخلف المسارح والأعمدة الرومانية الشاهقة، يبرز ضريح “أتلبان” الشهير كشاهد ملكي على تلك الحقبة. هذا المعلم الجنائزي الفريد، الذي يعود للقرن الثاني قبل الميلاد، يُعد من أندر الأمثلة على العمارة “اللوبية-البونية”، وقد لعبت نقوشه ثنائية اللغة دوراً حاسماً في فك رموز اللغة الليبية القديمة وفهم بنية المجتمع النوميدي آنذاك.

إن فرادة دقة لا تنبع فقط من تاريخها السياسي، بل من موقعها الاستراتيجي فوق هضبة تطل على وادي “خلاد”، مما منحها حماية طبيعية وإطلالة مهيبة جعلت منها نموذجاً حياً لاندماج الثقافة المحلية مع التأثيرات القرطاجية ثم الرومانية والبيزنطية.
واليوم، تُصنف دقة كأفضل مدينة رومانية صغيرة محفوظة في شمال إفريقيا، حيث تتيح لزائرها العبور في شوارعها المرصوفة واستشعار نبض الحياة التي كانت قائمة قبل ألفي عام، لتظل المدينة حكاية مستمرة تروي جذور السيادة وعبقرية الإنسان في هذه الأرض العريقة.

وتكتمل لوحة دقة التاريخية بمشهد غروب الشمس الذي يلقي بظلاله الذهبية على “الكابيتول” ومعالم المدينة، حيث تمتزج حمرة الحجارة الكلسية بخضرة السهول المحيطة في تناغم بصري مذهل. إن الوقوف في ساحة “الفوروم” وسط صمت الأطلال يمنح الزائر شعوراً بالهيبة والسكينة في آن واحد، وكأن المدينة تأبى أن تندثر، بل تختار أن تظل متحفاً مفتوحاً تحت السماء، يذكرنا بأن دقة لم تكن يوماً مجرد محطة عابرة، بل كانت القلب النابض لأرضٍ علمت العالم معنى الصمود والتحضر.

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *